جحا غناءٌ في الحَمَّام
في يومٍ من الأيام، قرر جحا أن يذهب إلى "الحمَّام العام" ليستحم ويستريح. وعندما دخل، وجد المكان هادئاً جداً، ولم يكن هناك أحد غيره، فاستلقى ليستمتع بالماء الدافئ والهدوء السائد. ومن شدة شعوره بالراحة والسعادة، بدأ جحا يدندن ببعض الألحان، ثم رفع صوته وبدأ يغني.
كان صدى صوته يتردد داخل جدران الحمَّام الرخامية، فيبدو قوياً وعذباً ورخيماً. أغمض جحا عينيه وقال في نفسه بكل ثقة: "يا إلهي! ما هذا الصوت الرائع؟ لم أكن أعرف أنني أملك حنجرة ذهبية كهذه! إنه لمن البخل والظلم أن أحرم الناس من سماع هذا الصوت البديع".
وبمجرد أن انتهى جحا من استحتمامه، خرج مسرعاً وهو لا يزال يشعر بنشوة الغناء. ومن شدة حماسه، توجه مباشرة إلى المسجد الكبير في وسط المدينة، وصعد إلى أعلى المئذنة في وقت الظهيرة، حيث كانت الشمس ساطعة والناس يمشون في الطرقات.
بدأ جحا ينشد الأناشيد والتواشيح بصوتٍ عالٍ جداً، لكن المفاجأة كانت كبيرة! فبدلاً من ذلك الصوت العذب الذي سمعه في الحمام، خرج صوته في الهواء الطلق خشناً، مزعجاً، وغير متزن على الإطلاق.
توقف الناس في الشوارع وسدوا آذانهم من شدة الانزعاج، ونظروا إلى الأعلى بدهشة واستغراب. فناداه أحدهم من الأسفل قائلاً: "ويحك يا جحا! ماذا تفعل؟ ما بالك تزعج الناس وتؤذي مسامعهم بهذا الصياح المنكر في مثل هذا الوقت؟".
نظر جحا إليهم من أعلى المئذنة بكل هدوء وثقة، وأجاب بذكائه المعهود: "يا أخي، لا تلمني! لو أن فاعلاً للخير يتبرع لي ببناء حمَّامٍ فوق هذه المئذنة، لأسمعتك من حسن صوتي وجماله ما يجعلك تنسى تغريد البلابل!".