الكلب الوفي والفتى القاسي

الكلب الوفي والفتى القاسي

الكلب الوفي والفتى القاسي

كان ياما كان، في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، كان هناك فتى صغير يعيش في قرية جميلة تحيط بها المروج الخضراء والجداول الرقراقة، ولكن هذا الفتى، وللأسف الشديد، كان يملك قلباً لم يعرف الرحمة تجاه الكائنات الضعيفة. كان يعامل الحيوانات بقسوة غريبة، فلا يمر يوم واحد إلا ويرتكب فيه فعلاً يؤذي به قطة هادئة أو عصفوراً مغرداً، وكان يظن في قرارة نفسه أن قوته تكمن في إيذاء من هم أضعف منه، ولم يدرك يوماً أن العطف هو شيمة الأقوياء.

وفي أحد الأيام الصيفية، وبينما كانت الشمس ترسل أشعتها الذهبية على مياه النهر الواسع، خطرت ببال هذا الفتى فكرة شريرة جداً. قرر أن يتخلص من كلبه الصغير الوفي، ذلك الكلب الذي لم يكن يفارقه أبداً رغم كل القسوة التي يتلقاها منه. حمل الفتى الكلب ووضعه في قارب خشبي صغير، ثم أخذ يجدف بقوة حتى وصل إلى منتصف النهر، حيث كانت المياه عميقة جداً والتيارات قوية. كانت خطة الفتى هي إغراق الكلب في ذلك المكان السحيق حتى لا يتمكن من العودة مجدداً.

وعندما وصل إلى البقعة التي ظن أنها الأكثر عمقاً، أراد الفتى الشرير أن يتأكد من مدى عمق المياه قبل أن يرمي الكلب، فانحنى بجسمه ميلاً شديداً خارج حافة القارب، وظل يحدق في أعماق الماء المظلمة وهو يمسك بطوق الكلب الصغير ليجذبه نحو الحافة. وفي تلك اللحظة، وبسبب حركته المتهورة وعدم توازنه، انزلق قدمه فجأة، وبلمح البصر، وجد نفسه يسقط وسط المياه الباردة، بينما بقي الكلب فوق القارب ينظر إليه بدهشة.

بدأ الفتى يتخبط في الماء مذعوراً، فهو لم يكن يجيد السباحة في المياه العميقة، وأخذ صوته يرتفع بالصراخ وهو يبتلع جرعات من الماء: "النجدة! النجدة! إنني أغرق!". كانت أنفاسه تضيق والذعر يتملك قلبه، وظن أن نهايته قد حانت في تلك اللحظة المريرة. ولكن، هل تعرفون ماذا فعل الكلب الذي كان الفتى يخطط لإيذائه؟

لم يتردد الكلب الوفي للحظة واحدة، ولم يفكر في الإساءة التي نالها من صاحبه، بل قفز بكل شجاعة من القارب نحو المياه الهائجة. سبح الكلب بمهارة وسرعة حتى وصل إلى الفتى، وبكل قوته، أمسك بملابس الفتى بأسنانة القوية، وراح يجدف بقوائم الأربعة نحو الشاطئ وهو يسحبه خلفه بجهد كبير. وبعد صراع طويل مع الأمواج، تمكن الكلب من إيصال الفتى إلى البر بأمان، ووضعه على الرمال الدافئة وهو يلهث تعباً.

استلقى الفتى على الأرض وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، ونظر إلى الكلب الذي كان ينفض الماء عن فرائه ثم اقترب منه ليلحس يده بلطف وكأنه يطمئن عليه. في تلك اللحظة، شعر الفتى بخجل شديد وانهمرت الدموع من عينيه، ليس خوفاً من الغرق هذه المرة، بل ندماً على قسوته. أدرك الفتى أن هذا الحيوان الوفي قابله بالإحسان رغم الإساءة، وتعلم درساً لن ينساه أبداً طوال حياته؛ وهو أن الرحمة بالحيوان هي أجمل صفة يمكن أن يتحلى بها الإنسان، ومنذ ذلك اليوم، أصبح الفتى والكلب أعز الأصدقاء، ولم يعد يؤذي كائناً حياً أبداً.

إرسال تعليق

أحدث أقدم