خُطُوَاتٌ وَاثِقَةٌ نَحْوَ الحُلْمِ.. قِصَّةُ رَفْعِ العَلَمِ المَغْرِبِيِّ فِي مَدْرَسَةِ المُسْتَقْبَلِ
فِي قَلْبِ مَدِينَةِ "بْنِسْلِيمَانَ" الوَادِعَةِ، الَّتِي تَشْتَهِرُ بِطَبِيعَتِهَا الخَلَّابَةِ وَهَوَائِهَا النَّقِيِّ، وَفِي سَاحَةِ مَدْرَسَةِ "المُسْتَقْبَلِ" الَّتِي تَزْدَانُ جُدْرَانُهَا بِزَخَارِفَ مَغْرِبِيَّةٍ مُتَقَنَةٍ وَأَلْوَانٍ تُوحِي بِالأَمَلِ، كَانَ الطِّفْلُ جَمَالٌ، ذُو السَّنَوَاتِ السَّبْعِ، يَقِفُ كُلَّ صَبَاحٍ مُتَسَمِّرًا، يَشُدُّهُ مَشْهَدُ رَفْعِ العَلَمِ الوَطَنِيِّ. كَانَ قَلْبُهُ الصَّغِيرُ يَرْقُصُ فَرَحًا مَعَ كُلِّ لَحْنٍ مِنْ لَحْنَاتِ النَّشِيدِ الشَّرِيفِ "مَنْبِتُ الأَحْرَارِ"، وَتَتَسَارَعُ أَنْفَاسُهُ وَهُوَ يَرَى أَعْضَاءَ فَرِيقِ الكَشَّافَةِ المَغْرِبِيَّةِ، بِزِيِّهِمُ الأَزْرَقِ الَّذِي يُحَاكِي لَوْنَ سَمَاءِ بْنِسْلِيمَانَ الصَّافِيَةِ، وَقَلَائِدِهِمُ الصَّفْرَاءِ الَّتِي تَتَلَأْلَأُ تَحْتَ أَشِعَّةِ شَمْسِ الصَّبَاحِ الذَّهَبِيَّةِ. كَانَ جَمَالٌ يَرَى فِيهِمْ حُرَّاسًا لِهَوِيَّةِ وَطَنٍ عَظِيمٍ، وَيَحْلُمُ بِأَنْ يَكُونَ يَوْمًا مَا وَاحِدًا مِنْهُمْ، يُمْسِكُ بِحَبْلِ السَّارِيَةِ بِيَدَيْهِ الصَّغِيرَتَيْنِ وَيَرْفَعُ الرَّايَةَ الحَمْرَاءَ الَّتِي تَتَوَسَّطُهَا النَّجْمَةُ الخُضْرَاءُ، لِتَرْفْرِفَ عَالِيًا فَوْقَ أَسْوَارِ المَدْرَسَةِ وَفَوْقَ هَامَةِ أَهْلِهِ وَبِلَادِهِ. لَكِنَّ قَامَتَهُ الَّتِي لَمْ تَطُلْ بَعْدُ، وَصِغَرَ سِنِّهِ، كَانَتَا تَجْعَلَانِ ذَلِكَ الحُلْمَ الكَبِيرَ يَبْدُو بَعِيدًا كَنُجُومِ اللَّيْلِ.
عَادَ جَمَالٌ إِلَى بَيْتِهِمْ الدَّافِئِ الَّذِي تَفُوحُ مِنْهُ رَائِحَةُ أَطْبَاقِ الكُسْكُسِ التَّقْلِيدِيَّةِ وَالشَّايِ بِالنَّعْنَاعِ، مُفْعَمًا بِالحَمَاسِ، فَارْتَمَى فِي أَحْضَانِ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ، الَّذِي كَانَ يَسْقِي نَبَاتَاتِ الزَّيْتُونِ الصَّغِيرَةِ فِي حَدِيقَةِ المَنْزِلِ، وَصَرَخَ بِشَغَفٍ: "أَبِي، لَقَدْ عَزَمْتُ! أُرِيدُ أَنْ أَنْضَمَّ إِلَى الكَشَّافَةِ، أُرِيدُ أَنْ أَرْفَعَ عَلَمَ مَغْرِبِنَا الحَبِيبِ!". ابْتَسَمَ الأَبُ بِحَنَانٍ وَفَخْرٍ، وَرَبَّتَ عَلَى كَحِلِ شَعْرِ جَمَالٍ قَائِلًا: "هَذَا حُلْمٌ نَبِيلٌ يَا فَتَايَ، وَأَنَا سَأَكُونُ سَنَدَكَ وَعَوْنَكَ لِتَحْقِيقِهِ. حُبُّ الوَطَنِ يَبْدَأُ مِنْ هُنَا، مِنْ هَذَا القَلْبِ الصَّغِيرِ". وَفِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، وَبِجُرْأَةٍ لَمْ يَعْتَدْهَا مِنْ قَبْلُ، اقْتَرَبَ جَمَالٌ مِنْ خَالِدٍ، قَائِدِ مَجْمُوعَةِ الكَشَّافَةِ، وَسَأَلَهُ بِصَوْتٍ مُتَلَهِّفٍ: "كَيْفَ لِي أَنْ أَصِيرَ جُزْءًا مِنْ هَذَا الفَرِيقِ المُمَيَّزِ؟"، فَأَجَابَهُ خَالِدٌ بِابْتِسَامَةٍ وَاسِعَةٍ، تُظْهِرُ بَرَاعَةَ أَهْلِ بْنِسْلِيمَانَ فِي التَّرْحِيبِ: "أَهْلًا بِكَ يَا جَمَالُ! الِالْتِزَامُ بِالمَوَاعِيدِ هُوَ سِرُّ نَجَاحِنَا. يَوْمُ السَّبْتِ هُوَ يَوْمُ تَدْرِيبِ الجَوَّالَةِ، فَكُنْ عَلَى أُهْبَةِ الِاسْتِعْدَادِ".
لَمْ تَكُنْ رِحْلَةُ جَمَالٍ مَفْرُوشَةً بِأَوْرَاقِ الوَرْدِ الجُورِيِّ، فَقَدْ كَانَ الأُسْتَاذُ حَسَنٌ، مُشْرِفُ الكَشَّافَةِ، رَجُلًا يُعْرَفُ بِدِقَّتِهِ وَحِرْصِهِ عَلَى الِانْضِبَاطِ. أَخْبَرَ جَمَالًا بِصَرَاحَةٍ أَنَّ مَهَمَّةَ رَفْعِ العَلَمِ تُسْنَدُ عَالِيًا لِمَنْ بَلَغَ مِنَ الطُّلَّابِ سِنًّا أَكْبَرَ وَتَمَتَّعَ بِالخِبْرَةِ الكَافِيَةِ. لَكِنَّ كَلَامَ الأُسْتَاذِ لَمْ يُثْنِ عَزِيمَةَ جَمَالٍ أَبَدًا؛ فَصَارَ يَحْضُرُ التَّدْرِيبَاتِ قَبْلَ مَوْعِدِهَا بِسَاعَةٍ كَامِلَةٍ، وَيُرَاقِبُ بِعَيْنٍ ثَاقِبَةٍ كَيْفَ تُطْوَى الرَّايَةُ بِاحْتِرَامٍ عَلَى شَكْلِ مُثَلَّثٍ يُرْمَزُ بِهِ لِشُمُوخِ جِبَالِ الأَطْلَسِ الَّتِي تُطِلُّ عَلَى المَدِينَةِ، وَكَيْفَ تُشَدُّ العُقَدُ الكَشْفِيَّةُ الَّتِي تَحْفَظُ سِرَّ الوَطَنِ. وَفِي بَيْتِهِمْ، حَوَّلَ جَمَالٌ غُرْفَتَهُ الصَّغِيرَةَ الَّتِي تَزَيَّنَتْ بِخَرَائِطِ المَغْرِبِ وَصُوَرِ مَدُنِهِ وَشَلَّالَاتِهِ، إِلَى سَاحَةِ تَدْرِيبٍ فَرِيدَةٍ. كَانَ يَرْتَدِي زِيَّهُ الكَشْفِيَّ كُلَّ مَسَاءٍ، وَيَقِفُ أَمَامَ المِرْآةِ يُؤَدِّي التَّحِيَّةَ العَسْكَرِيَّةَ مِئاتِ المَرَّاتِ، مُتَخَيِّلًا أَنَّ كُلَّ دُمَى البَهْلَوَانَاتِ وَالمُجَسَّمَاتِ الطِّينِيَّةِ الَّتِي صَنَعَهَا بِيَدِهِ تُمَثِّلُ حَشْدَ الطُّلَّابِ وَالمُعَلِّمِينَ الَّذِينَ يُشَاهِدُونَهُ، فَكَانَ يَمْشِي بِخُطُوَاتٍ عَسْكَرِيَّةٍ رَزِينَةٍ تَمْلَأُ المَكَانَ إِصْرَارًا وَعَزْمًا.
مَرَّتِ الأَسَابِيعُ كَالعُقُودِ عَلَى جَمَالٍ الَّذِي لَمْ يَمَلَّ قَطُّ، حَتَّى جَاءَ صَبَاحُ يَوْمٍ رَبِيعِيٍّ بَدِيعٍ، حَيْثُ تَلَأْلَأَتْ أَشِعَّةُ الشَّمْسِ عَلَى أَسْطُحِ القَرْمِيدِ الأَحْمَرِ لِلمَدْرَسَةِ. وَقَبْلَ دَقَائِقَ مَعْدُودَةٍ مِنْ بَدْءِ طَابُورِ الصَّبَاحِ، حَدَثَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الحُسْبَانِ؛ فَقَدْ تَعَذَّرَ حُضُورُ الطَّالِبِ المَسْؤُولِ عَنْ رَفْعِ العَلَمِ لِظَرْفٍ عَائِلِيٍّ طَارِئٍ. سَادَ الِارْتِبَاكُ لَحْظَةً بَيْنَ المُعَلِّمِينَ، وَجَالَتْ عَيْنُ الأُسْتَاذِ حَسَنٍ فِي وُجُوهِ الطُّلَّابِ، حَتَّى اسْتَقَرَّتْ عَلَى جَمَالٍ الَّذِي كَانَ يَقِفُ فِي صَفِّهِ بِهَيْئَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ مُكْتَمِلَةٍ، وَعَيْنَاهُ تَنْطِقَانِ بِالِاسْتِعْدَادِ. سَأَلَهُ الأُسْتَاذُ بِنَبْرَةٍ تَخْتَبِرُ قُوَّةَ إِيمَانِهِ: "جَمَالُ، هَلْ أَنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ مَعْرِفَتِكَ التَّامَّةِ بِخُطُوَاتِ رَفْعِ العَلَمِ؟ فَأَعْيُنُ الجَمِيعِ، وَقَبْلَهُمْ نَاظِرُ المَدْرَسَةِ المُحْتَرَمُ، سَتَكُونُ عَلَيْكَ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ المَهِيبَةِ". شَعَرَ جَمَالٌ بِكَهْرَبَاءٍ تَسْرِي فِي عُرُوقِهِ، وَبِقَلْبِهِ يَقْرَعُ صَدْرَهُ كَالأَجْرَاسِ، لَكِنَّهُ ابْتَلَعَ غُصَّةَ الرَّهْبَةِ وَقَالَ بِصَوْتٍ قَوِيٍّ مُنْفَعِلٍ: "أَنَا مُسْتَعِدٌّ تَمَامًا يَا أُسْتَاذِي، لَقَدْ تَدَرَّبْتُ لِهَذِهِ اللَّحْظَةِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ!".
تَقَدَّمَ جَمَالٌ نَحْوَ سَارِيَةِ العَلَمِ بِخُطُوَاتٍ ثَابِتَةٍ وَمَوْزُونَةٍ، كُلُّ خُطْوَةٍ مِنْهَا تَرْوِي قِصَّةَ تَعَبٍ وَسَهَرٍ وَتَدْرِيبٍ لَا يَنْقَطِعُ. وَصَلَ إِلَى السَّارِيَةِ العَالِيَةِ، وَأَمْسَكَ الحِبَالَ بِأَنَامِلَ قَدْ بَدَتْ رَجْرَاجَةً لِلَحْظَةٍ، لَكِنَّهَا سُرْعَانَ مَا اسْتَمَدَّتْ قُوَّتَهَا مِنْ عَزِيمَةٍ لَا تَتَزَلْزَلُ. وَمَعَ انْطِلَاقِ النَّغَمَةِ الأُولَى لِلنَّشِيدِ الوَطَنِيِّ العَظِيمِ، بَدَأَ جَمَالٌ يَرْفَعُ العَلَمَ المَغْرِبِيَّ بِتُؤَدَةٍ وَوَقَارٍ، مُزَامِنًا حَرَكَةَ يَدَيْهِ مَعَ إِيقَاعِ الكَلِمَاتِ بِدِقَّةٍ تُذْهِلُ الحَاضِرِينَ. رَفْرَفَتِ الرَّايَةُ الحَمْرَاءُ بِشُمُوخٍ فِي الأُفُقِ الزَّرْقَاءِ، وَانْفَرَدَتْ نَجْمَتُهَا الخُضْرَاءُ الزَّاهِيَةُ كَنَجْمَةٍ تُضِيءُ دُرُوبَ المَجْدِ. وَعِنْدَمَا وَصَلَ العَلَمُ إِلَى أَعْلَى نُقْطَةٍ فِي السَّارِيَةِ، أَدَّى جَمَالٌ التَّحِيَّةَ العَسْكَرِيَّةَ بِإِتْقَانٍ أَسَرَ القُلُوبَ وَأَذْرَفَ دُمُوعَ الفَخْرِ. لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ طِفْلٍ يَرْفَعُ قُمَاشًا، بَلْ كَانَ رُوحَ وَطَنٍ تَصْعَدُ إِلَى العُلَى، وَعَلَمًا يَنْبُضُ بِحَيَاةِ أَجْدَادٍ وَشُهَدَاءَ. وَبَعْدَ انْتِهَاءِ المَرَاسِمِ المَهِيبَةِ، تَقَدَّمَ الأُسْتَاذُ حَسَنٌ بِخُطُوَاتٍ وَاثِقَةٍ، وَمَعَهُ نَاظِرُ المَدْرَسَةِ، وَأَطْبَقَا عَلَى يَلْمَةِ جَمَالٍ، قَائِلِينَ بِصَوْتٍ يَعْجُ بِالفَخْرِ: "أَحْسَنْتَ يَا بَطَلَ المَغْرِبِ الصَّغِيرِ! بِهَذَا الِانْضِبَاطِ وَالعَزِيمَةِ، لَقَدْ أَثْبَتَّ أَنَّكَ قُدْوَةٌ. مِنْ هَذَا اليَوْمِ فَصَاعِدًا، أَنْتَ رَافِعُ عِلْمِنَا الأَوَّلُ". لَمْ يَحْتَكِرْ جَمَالٌ هَذَا الشَّرَفَ لِنَفْسِهِ، بَلْ صَارَ مُعَلِّمًا صَغِيرًا يُرْشِدُ زُمَلَاءَهُ الأَصْغَرَ سِنًّا، يُعَلِّمُهُمْ خُطُوَاتِ رَفْعِ العَلَمِ بِكُلِّ تَفَانٍ، مُؤْمِنًا أَنَّ أَجْمَلَ نَصْرٍ هُوَ أَنْ تَمُدَّ يَدَ العَوْنِ لِتَرْفَعَ مَعَكَ أَحْلَامَ الآخَرِينَ إِلَى أَعَالِي السَّمَاءِ.
فِي قَلْبِ مَدِينَةِ "بْنِسْلِيمَانَ" الوَادِعَةِ، الَّتِي تَشْتَهِرُ بِطَبِيعَتِهَا الخَلَّابَةِ وَهَوَائِهَا النَّقِيِّ، وَفِي سَاحَةِ مَدْرَسَةِ "المُسْتَقْبَلِ" الَّتِي تَزْدَانُ جُدْرَانُهَا بِزَخَارِفَ مَغْرِبِيَّةٍ مُتَقَنَةٍ وَأَلْوَانٍ تُوحِي بِالأَمَلِ، كَانَ الطِّفْلُ جَمَالٌ، ذُو السَّنَوَاتِ السَّبْعِ، يَقِفُ كُلَّ صَبَاحٍ مُتَسَمِّرًا، يَشُدُّهُ مَشْهَدُ رَفْعِ العَلَمِ الوَطَنِيِّ. كَانَ قَلْبُهُ الصَّغِيرُ يَرْقُصُ فَرَحًا مَعَ كُلِّ لَحْنٍ مِنْ لَحْنَاتِ النَّشِيدِ الشَّرِيفِ "مَنْبِتُ الأَحْرَارِ"، وَتَتَسَارَعُ أَنْفَاسُهُ وَهُوَ يَرَى أَعْضَاءَ فَرِيقِ الكَشَّافَةِ المَغْرِبِيَّةِ، بِزِيِّهِمُ الأَزْرَقِ الَّذِي يُحَاكِي لَوْنَ سَمَاءِ بْنِسْلِيمَانَ الصَّافِيَةِ، وَقَلَائِدِهِمُ الصَّفْرَاءِ الَّتِي تَتَلَأْلَأُ تَحْتَ أَشِعَّةِ شَمْسِ الصَّبَاحِ الذَّهَبِيَّةِ. كَانَ جَمَالٌ يَرَى فِيهِمْ حُرَّاسًا لِهَوِيَّةِ وَطَنٍ عَظِيمٍ، وَيَحْلُمُ بِأَنْ يَكُونَ يَوْمًا مَا وَاحِدًا مِنْهُمْ، يُمْسِكُ بِحَبْلِ السَّارِيَةِ بِيَدَيْهِ الصَّغِيرَتَيْنِ وَيَرْفَعُ الرَّايَةَ الحَمْرَاءَ الَّتِي تَتَوَسَّطُهَا النَّجْمَةُ الخُضْرَاءُ، لِتَرْفْرِفَ عَالِيًا فَوْقَ أَسْوَارِ المَدْرَسَةِ وَفَوْقَ هَامَةِ أَهْلِهِ وَبِلَادِهِ. لَكِنَّ قَامَتَهُ الَّتِي لَمْ تَطُلْ بَعْدُ، وَصِغَرَ سِنِّهِ، كَانَتَا تَجْعَلَانِ ذَلِكَ الحُلْمَ الكَبِيرَ يَبْدُو بَعِيدًا كَنُجُومِ اللَّيْلِ.
عَادَ جَمَالٌ إِلَى بَيْتِهِمْ الدَّافِئِ الَّذِي تَفُوحُ مِنْهُ رَائِحَةُ أَطْبَاقِ الكُسْكُسِ التَّقْلِيدِيَّةِ وَالشَّايِ بِالنَّعْنَاعِ، مُفْعَمًا بِالحَمَاسِ، فَارْتَمَى فِي أَحْضَانِ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ، الَّذِي كَانَ يَسْقِي نَبَاتَاتِ الزَّيْتُونِ الصَّغِيرَةِ فِي حَدِيقَةِ المَنْزِلِ، وَصَرَخَ بِشَغَفٍ: "أَبِي، لَقَدْ عَزَمْتُ! أُرِيدُ أَنْ أَنْضَمَّ إِلَى الكَشَّافَةِ، أُرِيدُ أَنْ أَرْفَعَ عَلَمَ مَغْرِبِنَا الحَبِيبِ!". ابْتَسَمَ الأَبُ بِحَنَانٍ وَفَخْرٍ، وَرَبَّتَ عَلَى كَحِلِ شَعْرِ جَمَالٍ قَائِلًا: "هَذَا حُلْمٌ نَبِيلٌ يَا فَتَايَ، وَأَنَا سَأَكُونُ سَنَدَكَ وَعَوْنَكَ لِتَحْقِيقِهِ. حُبُّ الوَطَنِ يَبْدَأُ مِنْ هُنَا، مِنْ هَذَا القَلْبِ الصَّغِيرِ". وَفِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، وَبِجُرْأَةٍ لَمْ يَعْتَدْهَا مِنْ قَبْلُ، اقْتَرَبَ جَمَالٌ مِنْ خَالِدٍ، قَائِدِ مَجْمُوعَةِ الكَشَّافَةِ، وَسَأَلَهُ بِصَوْتٍ مُتَلَهِّفٍ: "كَيْفَ لِي أَنْ أَصِيرَ جُزْءًا مِنْ هَذَا الفَرِيقِ المُمَيَّزِ؟"، فَأَجَابَهُ خَالِدٌ بِابْتِسَامَةٍ وَاسِعَةٍ، تُظْهِرُ بَرَاعَةَ أَهْلِ بْنِسْلِيمَانَ فِي التَّرْحِيبِ: "أَهْلًا بِكَ يَا جَمَالُ! الِالْتِزَامُ بِالمَوَاعِيدِ هُوَ سِرُّ نَجَاحِنَا. يَوْمُ السَّبْتِ هُوَ يَوْمُ تَدْرِيبِ الجَوَّالَةِ، فَكُنْ عَلَى أُهْبَةِ الِاسْتِعْدَادِ".
لَمْ تَكُنْ رِحْلَةُ جَمَالٍ مَفْرُوشَةً بِأَوْرَاقِ الوَرْدِ الجُورِيِّ، فَقَدْ كَانَ الأُسْتَاذُ حَسَنٌ، مُشْرِفُ الكَشَّافَةِ، رَجُلًا يُعْرَفُ بِدِقَّتِهِ وَحِرْصِهِ عَلَى الِانْضِبَاطِ. أَخْبَرَ جَمَالًا بِصَرَاحَةٍ أَنَّ مَهَمَّةَ رَفْعِ العَلَمِ تُسْنَدُ عَالِيًا لِمَنْ بَلَغَ مِنَ الطُّلَّابِ سِنًّا أَكْبَرَ وَتَمَتَّعَ بِالخِبْرَةِ الكَافِيَةِ. لَكِنَّ كَلَامَ الأُسْتَاذِ لَمْ يُثْنِ عَزِيمَةَ جَمَالٍ أَبَدًا؛ فَصَارَ يَحْضُرُ التَّدْرِيبَاتِ قَبْلَ مَوْعِدِهَا بِسَاعَةٍ كَامِلَةٍ، وَيُرَاقِبُ بِعَيْنٍ ثَاقِبَةٍ كَيْفَ تُطْوَى الرَّايَةُ بِاحْتِرَامٍ عَلَى شَكْلِ مُثَلَّثٍ يُرْمَزُ بِهِ لِشُمُوخِ جِبَالِ الأَطْلَسِ الَّتِي تُطِلُّ عَلَى المَدِينَةِ، وَكَيْفَ تُشَدُّ العُقَدُ الكَشْفِيَّةُ الَّتِي تَحْفَظُ سِرَّ الوَطَنِ. وَفِي بَيْتِهِمْ، حَوَّلَ جَمَالٌ غُرْفَتَهُ الصَّغِيرَةَ الَّتِي تَزَيَّنَتْ بِخَرَائِطِ المَغْرِبِ وَصُوَرِ مَدُنِهِ وَشَلَّالَاتِهِ، إِلَى سَاحَةِ تَدْرِيبٍ فَرِيدَةٍ. كَانَ يَرْتَدِي زِيَّهُ الكَشْفِيَّ كُلَّ مَسَاءٍ، وَيَقِفُ أَمَامَ المِرْآةِ يُؤَدِّي التَّحِيَّةَ العَسْكَرِيَّةَ مِئاتِ المَرَّاتِ، مُتَخَيِّلًا أَنَّ كُلَّ دُمَى البَهْلَوَانَاتِ وَالمُجَسَّمَاتِ الطِّينِيَّةِ الَّتِي صَنَعَهَا بِيَدِهِ تُمَثِّلُ حَشْدَ الطُّلَّابِ وَالمُعَلِّمِينَ الَّذِينَ يُشَاهِدُونَهُ، فَكَانَ يَمْشِي بِخُطُوَاتٍ عَسْكَرِيَّةٍ رَزِينَةٍ تَمْلَأُ المَكَانَ إِصْرَارًا وَعَزْمًا.
مَرَّتِ الأَسَابِيعُ كَالعُقُودِ عَلَى جَمَالٍ الَّذِي لَمْ يَمَلَّ قَطُّ، حَتَّى جَاءَ صَبَاحُ يَوْمٍ رَبِيعِيٍّ بَدِيعٍ، حَيْثُ تَلَأْلَأَتْ أَشِعَّةُ الشَّمْسِ عَلَى أَسْطُحِ القَرْمِيدِ الأَحْمَرِ لِلمَدْرَسَةِ. وَقَبْلَ دَقَائِقَ مَعْدُودَةٍ مِنْ بَدْءِ طَابُورِ الصَّبَاحِ، حَدَثَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الحُسْبَانِ؛ فَقَدْ تَعَذَّرَ حُضُورُ الطَّالِبِ المَسْؤُولِ عَنْ رَفْعِ العَلَمِ لِظَرْفٍ عَائِلِيٍّ طَارِئٍ. سَادَ الِارْتِبَاكُ لَحْظَةً بَيْنَ المُعَلِّمِينَ، وَجَالَتْ عَيْنُ الأُسْتَاذِ حَسَنٍ فِي وُجُوهِ الطُّلَّابِ، حَتَّى اسْتَقَرَّتْ عَلَى جَمَالٍ الَّذِي كَانَ يَقِفُ فِي صَفِّهِ بِهَيْئَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ مُكْتَمِلَةٍ، وَعَيْنَاهُ تَنْطِقَانِ بِالِاسْتِعْدَادِ. سَأَلَهُ الأُسْتَاذُ بِنَبْرَةٍ تَخْتَبِرُ قُوَّةَ إِيمَانِهِ: "جَمَالُ، هَلْ أَنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ مَعْرِفَتِكَ التَّامَّةِ بِخُطُوَاتِ رَفْعِ العَلَمِ؟ فَأَعْيُنُ الجَمِيعِ، وَقَبْلَهُمْ نَاظِرُ المَدْرَسَةِ المُحْتَرَمُ، سَتَكُونُ عَلَيْكَ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ المَهِيبَةِ". شَعَرَ جَمَالٌ بِكَهْرَبَاءٍ تَسْرِي فِي عُرُوقِهِ، وَبِقَلْبِهِ يَقْرَعُ صَدْرَهُ كَالأَجْرَاسِ، لَكِنَّهُ ابْتَلَعَ غُصَّةَ الرَّهْبَةِ وَقَالَ بِصَوْتٍ قَوِيٍّ مُنْفَعِلٍ: "أَنَا مُسْتَعِدٌّ تَمَامًا يَا أُسْتَاذِي، لَقَدْ تَدَرَّبْتُ لِهَذِهِ اللَّحْظَةِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ!".
تَقَدَّمَ جَمَالٌ نَحْوَ سَارِيَةِ العَلَمِ بِخُطُوَاتٍ ثَابِتَةٍ وَمَوْزُونَةٍ، كُلُّ خُطْوَةٍ مِنْهَا تَرْوِي قِصَّةَ تَعَبٍ وَسَهَرٍ وَتَدْرِيبٍ لَا يَنْقَطِعُ. وَصَلَ إِلَى السَّارِيَةِ العَالِيَةِ، وَأَمْسَكَ الحِبَالَ بِأَنَامِلَ قَدْ بَدَتْ رَجْرَاجَةً لِلَحْظَةٍ، لَكِنَّهَا سُرْعَانَ مَا اسْتَمَدَّتْ قُوَّتَهَا مِنْ عَزِيمَةٍ لَا تَتَزَلْزَلُ. وَمَعَ انْطِلَاقِ النَّغَمَةِ الأُولَى لِلنَّشِيدِ الوَطَنِيِّ العَظِيمِ، بَدَأَ جَمَالٌ يَرْفَعُ العَلَمَ المَغْرِبِيَّ بِتُؤَدَةٍ وَوَقَارٍ، مُزَامِنًا حَرَكَةَ يَدَيْهِ مَعَ إِيقَاعِ الكَلِمَاتِ بِدِقَّةٍ تُذْهِلُ الحَاضِرِينَ. رَفْرَفَتِ الرَّايَةُ الحَمْرَاءُ بِشُمُوخٍ فِي الأُفُقِ الزَّرْقَاءِ، وَانْفَرَدَتْ نَجْمَتُهَا الخُضْرَاءُ الزَّاهِيَةُ كَنَجْمَةٍ تُضِيءُ دُرُوبَ المَجْدِ. وَعِنْدَمَا وَصَلَ العَلَمُ إِلَى أَعْلَى نُقْطَةٍ فِي السَّارِيَةِ، أَدَّى جَمَالٌ التَّحِيَّةَ العَسْكَرِيَّةَ بِإِتْقَانٍ أَسَرَ القُلُوبَ وَأَذْرَفَ دُمُوعَ الفَخْرِ. لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ طِفْلٍ يَرْفَعُ قُمَاشًا، بَلْ كَانَ رُوحَ وَطَنٍ تَصْعَدُ إِلَى العُلَى، وَعَلَمًا يَنْبُضُ بِحَيَاةِ أَجْدَادٍ وَشُهَدَاءَ. وَبَعْدَ انْتِهَاءِ المَرَاسِمِ المَهِيبَةِ، تَقَدَّمَ الأُسْتَاذُ حَسَنٌ بِخُطُوَاتٍ وَاثِقَةٍ، وَمَعَهُ نَاظِرُ المَدْرَسَةِ، وَأَطْبَقَا عَلَى يَلْمَةِ جَمَالٍ، قَائِلِينَ بِصَوْتٍ يَعْجُ بِالفَخْرِ: "أَحْسَنْتَ يَا بَطَلَ المَغْرِبِ الصَّغِيرِ! بِهَذَا الِانْضِبَاطِ وَالعَزِيمَةِ، لَقَدْ أَثْبَتَّ أَنَّكَ قُدْوَةٌ. مِنْ هَذَا اليَوْمِ فَصَاعِدًا، أَنْتَ رَافِعُ عِلْمِنَا الأَوَّلُ". لَمْ يَحْتَكِرْ جَمَالٌ هَذَا الشَّرَفَ لِنَفْسِهِ، بَلْ صَارَ مُعَلِّمًا صَغِيرًا يُرْشِدُ زُمَلَاءَهُ الأَصْغَرَ سِنًّا، يُعَلِّمُهُمْ خُطُوَاتِ رَفْعِ العَلَمِ بِكُلِّ تَفَانٍ، مُؤْمِنًا أَنَّ أَجْمَلَ نَصْرٍ هُوَ أَنْ تَمُدَّ يَدَ العَوْنِ لِتَرْفَعَ مَعَكَ أَحْلَامَ الآخَرِينَ إِلَى أَعَالِي السَّمَاءِ.