ذات الضَّفِيرَتين
أَنَا الطِّفْلَةُ بَسْمَةُ، وَهَذِهِ الَّتِي تَرَونَهَا تَتَدَلَّى عَلَى ظَهْرِي هِيَ ضَفِيرَتِي المَحْبُوبَةُ، إِنَّنِي أَعْشَقُ ضَفِيرَةَ شَعْرِي عِشْقاً جَمّاً، فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ شَعْرٍ مَسْرُوحٍ، بَلْ هِيَ رَفِيقَةُ دَرْبِي الَّتِي تُشَارِكُنِي كُلَّ مُغَامَرَاتِي الصَّغِيرَةِ، وَتُرَافِقُنِي فِي كُلِّ مَكَانٍ أَحُلُّ بِهِ. حِينَمَا أَنْطَلِقُ جَرْياً فِي المَرَاحِ، تَنْطَلِقُ ضَفِيرَتِي خَلْفِي تَتَمَايَلُ مَعَ الهَوَاءِ، وَعِنْدَمَا أَقْفِزُ عَالِياً فَرَحاً، تَقْفِزُ هِيَ مَعِي كَأَنَّهَا تَبْتَهِجُ لِبَهْجَتِي.
إِنَّنِي أُولِي شَعْرِي اهْتِمَاماً كَبِيراً، فَأَعْمَدُ إِلَى غَسْلِهِ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ كُلَّمَا اسْتَحْمَمْتُ، وَبَعْدَ أَنْ أَفْرُغَ مِنْ تَجْفِيفِهِ تَمَاماً، أَرْفَعُ صَوْتِي مُنَادِيَةً أُمِّي لِتَقُومَ بِمَهَمَّتِهَا الرَّائِعَةِ فِي تَضْفِيرِهِ لِي. تَجْلِسُ مَامَا خَلْفِي بِهُدُوءٍ، وَتَبْدَأُ أَنَامِلُهَا الرَّقِيقَةُ وَيَدَاهَا الجَمِيلَتَانِ بِنَسْجِ خَصَلَاتِ شَعْرِي، وَهِيَ تُرَنِّمُ لِي أَعْذَبَ الأَلْحَانِ وَتُغَنِّي أَجْمَلَ الأُغْنِيَاتِ الَّتِي تَبُثُّ فِي نَفْسِي السَّكِينَةَ.
وفِي كُلِّ مَرَّةٍ، كَانَتْ أُمِّي تُضِيفُ إِلَى ضَفِيرَتِي لَمْسَةً جَدِيدَةً تَبْعَثُ فِيهَا الحَيَاةَ؛ فَأَحْيَاناً تَنْسِجُ بَيْنَ خَصَلَاتِهَا شَرِيطاً نَاعِماً مِنَ السَّاتَانِ الأَحْمَرِ القَانِي، يَنْتَهِي بِعُقْدَةٍ "فِيونْكَة" بَدِيعَةِ المَنْظَرِ، وَفِي مَرَّاتٍ أُخْرَى، كَانَتْ تُزَيِّنُهَا بِمَشَابِكَ زَاهِيَةٍ تَأْخُذُ أَشْكَالَ الوُرُودِ المُتَفَتِّحَةِ. وَلَمْ يَقْتَصِرْ حُبُّ الضَّفِيرَةِ عَلَى شَعْرِي فَحَسْبُ، بَلْ كَثِيراً مَا كَانَتْ أُمِّي تَخْبِزُ لَنَا مِنَ العَجِينِ فَطِيرَةً شَهِيَّةً صَنَعَتْهَا عَلَى هَيْئَةِ ضَفِيرَةٍ كَبِيرَةٍ، وَكُنْتُ أَتَلَذَّذُ بِطَعْمِهَا وَأُحِبُّهَا كَثِيراً لِأَنَّهَا تُحَاكِي فِي شَكْلِهَا ضَفِيرَةَ شَعْرِي.
لَكِنَّ الحَالَ تَبَدَّلَ مُنْذُ فَتْرَةٍ لَيْسَتْ بِالقَصِيرَةِ، فَقَدْ تَغَيَّرَتْ أُمِّي وَلَمْ تَعُدْ كَسَابِقِ عَهْدِهَا؛ إِذْ تَوَقَّفَتْ عَنْ صُنْعِ تِلْكَ الفَطِيرَةِ المَحْبُوبَةِ، وَكَفَّتْ عَنِ الغِنَاءِ لِي وَهِيَ تُسَرِّحُ شَعْرِي، وَعِنْدَمَا اسْتَفْسَرْتُ مِنْهَا عَنِ السَّبَبِ، أَخْبَرَتْنِي بِصَوْتٍ مُتْعَبٍ أَنَّهَا تُعَانِي مِنْ صُدَاعٍ مُسْتَمِرٍّ، وَأَنَّهَا تَعْتَزِمُ الذَّهَابَ لِلْمُسْتَشْفَى لِمُقَابَلَةِ الطَّبِيبِ بِمُرَافَقَةِ أَبِي. حِينَهَا تَشَبَّثْتُ بِيَدِ أُمِّي بِقُوَّةٍ وَقُلْتُ لَهَا بِإِصْرَارٍ: "سَأُرَافِقُكِ إِلَى الطَّبِيبِ، مِثْلَمَا تَفْعَلِينَ مَعِي دَائِماً حِينَ أَمْرَضُ".
عِنْدَ وُصُولِنَا، طَلَبَ مِنِّي الطَّبِيبُ أَنْ أَقْصِدَ غُرْفَةَ الأَلْعَابِ المُخَصَّصَةَ لِلأَطْفَالِ، وَكَانَتْ حُجْرَةً صَغِيرَةً تَزْخَرُ بِالسَّيَّارَاتِ المُلَوَّنَةِ، وَقِصَصِ الأَطْفَالِ المُشَوِّقَةِ، وَالأَوْرَاقِ وَالأَلْوَانِ. لَعِبْتُ هُنَاكَ لِوَهْلَةٍ قَصِيرَةٍ حَتَّى جَاءَ أَبِي لِيَصْحَبَنِي وَنَعُودَ أَدْرَاجَنَا إِلَى المَنْزِلِ. وَفِي طَرِيقِ العَوْدَةِ، خَيَّمَ الصَّمْتُ عَلَى الجَمِيعِ، فَقَدْ كَانَتْ أُمِّي سَاهِمَةً غَارِقَةً فِي أَفْكَارِهَا، وَكَذَلِكَ أَبِي الَّذِي بَدَا عَلَيْهِ الوُجُومُ، فَلَمْ يُحَدِّثْنِي بِطُرْفَةٍ كَعَادَتِهِ، وَلَمْ يَدْعُنِي لِمُسَابَقَتِهِ فِي عَدِّ الغَيْمَاتِ السَّابِحَةِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ.
وَمَا إِنْ وَلَجْنَا البَيْتَ حَتَّى انْسَحَبَتْ أُمِّي إِلَى غُرْفَتِهَا طَلَباً لِلرَّاحَةِ، بَيْنَمَا نَادَانِي أَبِي لِنُشَارِكَ مَعاً فِي إِعْدَادِ وَجْبَةِ الغَدَاءِ. وَبَيْنَمَا كُنْتُ أَتَنَاوَلُ شَطَائِرَ اللَّحْمِ اللَّذِيذَةَ الَّتِي صَنَعَهَا أَبِي، سَأَلْتُ أُمِّي بِنَبْرَةٍ مِلْؤُهَا القَلَقُ: "أُمِّي، مَا الَّذِي يُصِيبُكِ؟". فَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَّا أَنِ ابْتَسَمَتْ فِي وَجْهِي دُونَ أَنْ تَنْبِسَ بِبِنْتِ شَفَةٍ. وفِي ذَلِكَ المَسَاءِ، جَاءَتْ أُمِّي لِتُطَمْئِنَ عَلَيَّ، فَدَثَّرَتْنِي بِغِطَائِي وَطَبَعَتْ قُبْلَةً حَانِيَةً عَلَى جَبِينِي، لَكِنَّهَا لَمْ تَقُصَّ عَلَيَّ حِكَايَةَ قَبْلَ النَّوْمِ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ دَوْماً.
فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، اسْتَيْقَظْتُ وَكُلِّي نَشَاطٌ، فَبَادَرْتُ إِلَى غَسْلِ أَسْنَانِي، ثُمَّ أَمْسَكْتُ بِالمُشْطِ وَرُحْتُ أُنَادِي أُمِّي لِتُصْلِحَ لِي ضَفِيرَتِي. جَلَسَتْ أُمِّي وَمَشَّطَتْ شَعْرِي بِرِفْقٍ وَصَنَعَتْ لِي ضَفِيرَةً جَدِيدَةً، ثُمَّ ضَمَّتْنِي إِلَى صَدْرِهَا بِحَنَانٍ وَقَالَتْ: "بَسْمَةُ، سَأَتَوَجَّهُ إِلَى المُسْتَشْفَى غَداً لِأَجْرِيَ جِرَاحَةً بَسِيطَةً، فَهَلْ تَعِدِينَنِي بِأَنْ تَهْتَمِّي بِنَفْسِكِ؟ سَتَحْضُرُ خَالَتُكِ سَلْمَى لِتَمْكُثَ مَعَكِ لِأَنَّ وَالِدَكِ سَيُرافِقُنِي، وَأَعِدُكِ أَنْ أَعُودَ إِلَيْكِ فِي المَسَاءِ".
حِينَ حَلَّ الصَّبَاحُ، وَجَدْتُ أَنَّ أُمِّي قَدْ غَادَرَتْ، وَجَاءَتِ الخَالَةُ سَلْمَى الَّتِي غَمَرَتْنِي بِحُضْنِهَا قَائِلَةً: "هَيَّا بِنَا نَتَنَاوَلُ الفُطُورَ وَنُشَاهِدُ الرُّسُومَ المُتَحَرِّكَةَ". مَضَى الوَقْتُ سَرِيعاً، وَفِي المَساءِ، تَرَدَّدَ صَدَى جَرَسِ البَابِ، وَكَانَتِ القَادِمَةُ هِيَ أُمِّي! هَرَعتُ نَحْوَهَا وَارْتَمَيْتُ فِي أَحْضَانِهَا، لَكِنَّ الإِعْيَاءَ بَدَا وَاضِحاً عَلَيْهَا فَذَهَبَتْ لِتَنَامَ فَوْراً.
فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، دَخَلْتُ غُرْفَةَ أُمِّي فَوَجَدْتُهَا تَبْتَسِمُ، لَكِنَّهَا كَانَتْ لَا تَزَالُ تَرْتَدِي غِطَاءً يُخْفِي رَأْسَهَا. جَلَسْنَا حَوْلَ مَائِدَةِ الفُطُورِ، وَجَلَسْتُ بِجَانِبِهَا أَحْضُنُهَا، وَحِينَمَا هَمَمْتُ بِمَسْحِ رَأْسِهَا كَمَا اعْتَدْتُ، وَحَاوَلْتُ رَفْعَ الغِطَاءِ لِأَلْمِسَ شَعْرَهَا الجَمِيلَ، أَمْسَكَتْ أُمِّي بِيَدِي وَقَالَتْ بِرِقَّةٍ: "بَسْمَةُ، لَا تَرْفَعِي الغِطَاءَ عَنْ رَأْسِي". سَأَلْتُهَا بِقَلَقٍ شَدِيدٍ: "لِمَاذَا يَا أُمِّي؟ هَلْ رَأْسُكِ مَجْرُوحَةٌ؟". فَأَجَابَتْنِي: "نَعَمْ يَا بَسْمَةُ، لَقَدْ أَجْرَى الطَّبِيبُ الجِرَاحَةَ فِي رَأْسِي، وَكَانَ لِزَاماً عَلَيْهِ إِزَالَةُ شَعْرِي لِيَتَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ". صُدِمْتُ حِينَهَا وَقُلْتُ فِي نَفْسِي: "يَا إِلَهِي! أُمِّي بِلَا شَعْرٍ!"، ثُمَّ انْصَرَفْتُ إِلَى غُرْفَتِي وَالحُزْنُ يَعْتَصِرُ قَلْبِي.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَمَعَتْ فِي ذِهْنِي فِكْرَةٌ جَرِيئَةٌ، فَاتَّصَلْتُ بِخَالَتِي سَلْمَى وَشَرَحْتُ لَهَا مَا أَنْوِي فِعْلَهُ. فِي البِدَايَةِ، لَمْ تَرُقِ الفِكْرَةُ لِلْخَالَةِ لِأَنَّهَا تَعْلَمُ مَدَى تَعَلُّقِي بِضَفِيرَتِي، لَكِنَّهَا اقْتَنَعَتْ بَعْدَمَا أَكَّدْتُ لَهَا أَنَّنِي لَنْ أَحْزَنَ، وَأَنَّ صَدِيقَتِي وَفَاءَ قَصَّتْ شَعْرَهَا وَبَدَتْ فِيهِ رَائِعَةً.
حَضَرَتِ الخَالَةُ سَلْمَى لِزِيَارَتِنَا، وَأَخْبَرَتْ أُمِّي أَنَّ لِي مُفَاجَأةً خَاصَّةً. وَفِي غُرْفَتِي، تَنَاوَلَتِ الخَالَةُ المِقَصَّ وَقَصَّتْ ضَفِيرَتِي، وَكُنْتُ حِينَهَا أَضْحَكُ لِشُعُورِي بِدَغْدَغَةٍ فِي رَأْسِي، ثُمَّ مَشَّطَتْ لِي شَعْرِي القَصِيرَ الَّذِي بَدَا مُخْتَلِفاً لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَيِّئاً قَطُّ، بَلْ كَانَتْ نِهَايَاتُ خَصَلَاتِهِ مُتَمَوِّجَةً كَأَمْوَاجِ البَحْرِ. طَمْأَنَتْنِي الخَالَةُ قَائِلَةً إِنَّ العِنَايَةَ بِهِ سَتَكُونُ أَسْهَلَ، وَأَنَّهُ سَيَنْمُو لِيَعُودَ طَوِيلاً كَمَا كَانَ.
وَضَعْتُ ضَفِيرَتِي الَّتِي قَصَصْتُهَا فِي عُلْبَةٍ أَنِيقَةٍ، وَتَوَجَّهْتُ مَعَ خَالَتِي إِلَى غُرْفَةِ أُمِّي، وَقَدَّمْتُ لَهَا العُلْبَةَ. وَمَا إِنْ فَتَحَتْهَا أُمِّي حَتَّى انْهَمَرَتْ دُمُوعُهَا مَمْزُوجَةً بِابْتِسَامَةٍ عَذْبَةٍ، فِي مَشْهَدٍ لَمْ أَرَهُ مِنْ قَبْلُ. ضَمَّتْنِي أُمِّي إِلَيْهَا وَقَالَتْ: "لَقَدْ حَزِنْتُ لِأَنِّي أَعْرِفُ مَدَى حُبِّكِ لِضَفِيرَتِكِ، وَلَكِنَّنِي سَعِدْتُ لِأَنَّكِ ضَحَّيْتِ بِأَغْلَى مَا تَمْلِكِينَ لِتُشَارِكِينِي مِحْنَتِي".
مَرَّتِ الشُّهُورُ، وَعَادَ شَعْرِي لِيَطُولَ حَتَّى بَلَغَ مُنْتَصَفَ طُولِهِ القَدِيمِ، وَنَمَا شَعْرُ أُمِّي أَيْضاً حَتَّى وَصَلَ إِلَى كَتِفَيْهَا، وَبَدَأْنَا نُجَرِّبُ مَعاً تَسْرِيحَاتٍ جَدِيدَةً لِلشَّعْرِ القَصِيرِ، وَنَلْتَقِطُ الصُّوَرَ التَّذْكَارِيَّةَ وَنَحْنُ نُزَيِّنُ خَصَلَاتِنَا بِمَشَابِكَ مُلَوَّنَةٍ. أَمَّا ضَفِيرَتِي القَدِيمَةُ، فَقَدْ وَجَدْتُ لَهَا مَكَاناً مِثَالِيّاً، حَيْثُ زَيَّنتُ بِهَا رَأْسَ دُمْيَتِي "عَرُوسَتِي"، لِتَصْبِحَ تِلْكَ الدُّمْيَةُ صَاحِبَةَ أَجْمَلِ ضَفِيرَةٍ مُلْتَفَّةٍ حَوْلَ رَأْسِهَا.
