الدواجن الصغيرة حائرة
خَرَجَ البَطُّ الصَّغيرُ، والوِزُّ الصَّغيرُ، والكَتاكيتُ الصَّفراءُ الرَّقيقَةُ، يَلعَبونَ ويَمرحونَ أَمامَ مَنزلِهِم الجَديدِ. كَانوا يَشعُرونَ بِسَعادَةٍ غَامِرَةٍ واطمِئنانٍ كَبيرٍ بَعدَ أَن تَخلَّصوا مِن خَطَرِ الثَّعلَبِ المَكَّارِ الذي كانَ يُطاردُهُم. وفيما كانَ الكَتْكوتُ الصَّغيرُ يَقْفِزُ بَيْنَ أَصحابِهِ، لَمَحَ شَيْئاً غَريباً يَلْمَعُ بَريقُهُ على الأَرْضِ. جَرى نَحوَهُ بِحَماسٍ، وحاوَلَ أَنْ يَلتَقِطَهُ بِمِنقارِهِ الصَّغيرِ، لِيَكتَشِفَ أَنَّهُ قِطْعَةُ نُقودٍ فِضِّيَّةٍ مِن فِئَةِ العَشَرَةِ قُروشٍ، سَقَطَتْ مِن فَتاةٍ فَلاَّحَةٍ كانت في طَريقِها إِلى السُّوقِ.
نادى الكَتْكوتُ الصَّغيرُ أَصدِقاءَهُ مِنَ البَطِّ والوِزِّ بِصَوْتٍ عالٍ: "انْظُروا ماذا وَجَدتُ! إِنَّهُ شَيْءٌ غَريبٌ حَقّاً، ماذا تَظُنُّونَهُ يا أَصدِقائي؟". اقترَبَتْ بَطْبوطَةُ الصَّغيرَةُ، ونَظَرَتْ بامتِعانٍ ثُمَّ قالتْ: "أَظُنُّ يا كَتْكَت أَنَّهُ وَردَةٌ جَميلَةٌ". لَكِنَّ الوِزَّةَ الصَّغيرَةَ "زيزي" لم تُوافِقْها الرَّأْيَ، فقالتْ: "لا يا صَديقَتي، إِنَّ لِلوَردَةِ رائِحَةً ذَكِيَّةً، وهذا الشَّيْءُ ليسَ لَهُ أَيُّ رائِحَةٍ". ثُمَّ حاوَلَتْ زيزي أَنْ تَمْسِكَ القِطْعَةَ بِمِنقارِها، فَآلَمَتْها لِصَلابَتِها، فَرَمَتْها قائلَةً: "آه! إنَّها صُلبَةٌ، أَظُنُّ أَنَّها قِطْعَةٌ مِنَ الشَّمْسِ سَقَطَتْ على الأَرْضِ".
تَحَيَّرَ الكَتاكيتُ الصِّغارُ وقالوا: "لا نَظُنُّ ذلِكَ، لِنَذهَبْ إِلى جارِنا الدِّيكِ الرُّومِيِّ النَّفَّاشِ ونَسأَلَهُ، فَهوَ أَكْبَرُ مِنَّا سِنّاً وأَكثَرُ مَعرِفَةً". عِندَما سَمِعَ الدِّيكُ الرُّومِيُّ سُؤالَهُم، ضَحِكَ كَثيراً حتَّى انْتَفَخَتْ أَشداقُهُ وقالَ: "لا يا صِغاري، لَيْسَتْ قِطْعَةً مِنَ الشَّمْسِ". نَظَرَ إِلَيْهِ الصِّغارُ بِتَشَوُّقٍ وسَأَلوهُ: "ماذا تَكونُ إِذَنْ يا عَمَّنا الدِّيكَ الكَبيرَ؟". نَفَشَ الدِّيكُ ريشَهُ المُلَوَّنَ ورَفَعَ رَأْسَهُ بِتَكَبُّرٍ وقالَ: "إِنَّها... إِنَّها سَمَكَةٌ يا أَطْفالي!".
تَعَجَّبَتْ بَطْبوطَةُ وقالتْ لَهُ: "ولكِنَّ السَّمَكَةَ لَها ذَيْلٌ وعَيْنانِ وجِسْمٌ لَيِّنٌ، وليستْ صُلبَةً هكذا، نَحْنُ نَراها تَسْبَحُ مَعَنا في النَّهْرِ كُلَّ يَوْمٍ". تَرَكَ الصِّغارُ الدِّيكَ الرُّومِيَّ وتَوَجَّهوا إِلى البَطَّةِ الكَبيرَةِ الطَّيِّبَةِ وسَأَلوها عَنِ الشَّيْءِ اللّامِعِ. فَكَّرَتِ البَطَّةُ قليلاً ثُمَّ قالتْ: "أَظُنُّ يا أَطْفالي أَنَّها نَجْمَةٌ صَغيرَةٌ سَقَطَتْ مِنَ السَّماءِ". حينَها صَاحَتْ زيزي: "أَلَمْ أَقُلْ لَكُم إِنَّها مِنَ الأَجْرامِ السَّماوِيَّةِ؟".
حَزِنَ الكَتاكيتُ على النَّجْمَةِ وقالوا: "مِسكينَةٌ هذهِ النَّجْمَةُ، كَيْفَ نُعيدُها إِلى بَيْتِها في السَّماءِ؟". اقْتَرَحَتِ البَطَّةُ الكَبيرَةُ أَنْ يَطلبوا مُساعَدَةَ النَّسْرِ القَوِيِّ الذي يَسْكُنُ أَعْلى الشَّجَرَةِ، فَهوَ يَسْتَطيعُ الطَّيَرانَ عَالِياً وقَذْفَها لِتَعودَ إِلى مَكانِها. وبَيْنَما ذَهَبَ الجميعُ لِلبَحْثِ عَنِ النَّسْرِ، مَرَّتِ الفَلاَّحَةُ الصَّغيرَةُ مَرَّةً أُخْرى، فَرَأَتْ نُقودَها الضّائِعَةَ، فَالتَقَطَتْها وانْصَرَفَتْ بَعيداً.
عِندَ غُروبِ الشَّمْسِ، عادَ الدَّواجِنُ الصِّغارُ فَلَمْ يَجِدوا القِطْعَةَ الفِضِّيَّةَ. نَظَروا إِلى السَّماءِ المُرَصَّعَةِ بِالنُّجومِ، وظَنّوا أَنَّ النَّجْمَةَ قد عادَتْ لِأَهْلِها، فقالوا بِفَرَحٍ: "الحَمْدُ للهِ، لَقَدْ صَعِدَتِ النَّجْمَةُ الصَّغيرَةُ إِلى مَكانِها، أَوْ رُبَّما نَزَلَتْ أُمُّها وأَخَذَتْها". وأَشارَ كَتْكَتُ بِيَدِهِ نَحْوَ نَجْمَةٍ بَعيدَةٍ تَلْمَعُ قائِلاً: "إِنّي أَراها هُناكَ مُتَأَلِّقَةً بَيْنَ النُّجومِ". وَهكذا، اطْمَأَنَّتْ قُلوبُهُم الصَّغيرَةُ وناموا في عُشِّهِم الدافِئِ، مُسْتَعِدّينَ لِيَوْمٍ جَديدٍ مليءٍ بِالمُغامَراتِ.