وَفَاءُ الحِصَانِ

وَفَاءُ الحِصَانِ

وفاء الحصانفِي نِهَايَةِ يَوْمٍ طَوِيلٍ وَمُتْعِبٍ مِنَ العَمَلِ الشَّاقِّ فِي المَزْرَعَةِ، اجْتَمَعَتِ الحَيَوَانَاتُ كُلُّهَا فِي الحَظِيرَةِ الوَاسِعَةِ لِتَنَالَ قِسْطاً مِنَ الرَّاحَةِ وَالهُدُوءِ. كَانَ الحِصَانُ الذَّكِيُّ يَقِفُ فِي مَكَانِهِ، فَلَاحَظَ أَنَّ صَدِيقَتَهُ البَقَرَةَ تَبْدُو حَزِينَةً جِدّاً، وَعَلَامَاتُ القَلَقِ تَرْتَسِمُ عَلَى وَجْهِهَا. اقْتَرَبَ الحِصَانُ مِنْهَا بِلُطْفٍ وَسَأَلَهَا: "مَا لِي أَرَاكِ حَزِينَةً يَا صَدِيقَتِي العَزِيزَةَ؟". تَنَهَّدَتِ البَقَرَةُ بِأَسَىً وَقَالَتْ: "أَنَا لَا أُحِبُّ الظُّلْمَ يَا صَدِيقِي". فَعَجِبَ الحِصَانُ وَقَالَ: "وَمَنْ ذَا الَّذِي ظَلَمَكِ؟". فَأَجَابَتْهُ: "أَنَا لَمْ يَظْلِمْنِي أَحَدٌ، وَلَكِنَّ القِطَّ المِسْكِينَ هُوَ مَنْ سَيَقَعُ عَلَيْهِ الظُّلْمُ الشَّدِيدُ".

اسْتَفْسَرَ الحِصَانُ عَنِ الأَمْرِ، فَأَخْبَرَتْهُ البَقَرَةُ أَنَّهَا سَمِعَتِ الفَلَّاحَةَ صَاحِبَةَ المَزْرَعَةِ وَهِيَ غَاضِبَةٌ جِدّاً، وَكَانَتْ تُهَدِّدُ القِطَّ بِالضَّرْبِ وَالطَّرْدِ مِنَ المَنْزِلِ. ظَنَّ الحِصَانُ أَنَّ القِطَّ رُبَّمَا ارْتَكَبَ خَطَأً كَبِيراً، لَكِنَّ البَقَرَةَ أَكَّدَتْ لَهُ أَنَّهُ بَرِيءٌ، وَحَكَتْ لَهُ مَا رَأَتْهُ؛ فَبَعْدَ أَنْ حَلَبَتِ الفَلَّاحَةُ اللَّبَنَ مِنَ البَقَرَةِ، وَضَعَتِ الوِعَاءَ فِي الحَقْلِ فَوْقَ طَاوِلَةٍ خَشَبِيَّةٍ (نَضَدٍ)، وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، جَاءَ الثَّعْلَبُ المَكَّارُ مُتَسَلِّلاً، وَشَرِبَ كُلَّ مَا فِي الوِعَاءِ مِنَ اللَّبَنِ الطَّازَجِ، ثُمَّ هَرَبَ سَرِيعاً دُونَ أَنْ يَرَاهُ أَحَدٌ، فَاعْتَقَدَتِ الفَلَّاحَةُ أَنَّ القِطَّ هُوَ السَّارِقُ.

فَكَّرَ الحِصَانُ قَلِيلاً ثُمَّ قَالَ لِلْبَقَرَةِ بِثِقَةٍ: "لَا تَقْلَقِي، دَعِينِي أَتَوَلَّى هَذَا الأَمْرَ بِنَفْسِي". ذَهَبَ الحِصَانُ نَحْوَ كَوْمَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الجِيرِ الأَبْيَضِ، وَأَحْضَرَ جَارُوفاً وَمَلأَ وِعَاءً فَارِغاً بِالجِيرِ، ثُمَّ سَكَبَ فَوْقَهُ المَاءَ وَحَرَّكَهُ جَيِّداً حَتَّى صَارَ لَوْنُهُ أَبْيَضَ نَاصِعاً تَمَاماً مِثْلَ اللَّبَنِ الحَقِيقِيِّ.

فِي الصَّبَاحِ البَاكِرِ، جَاءَتِ الفَلَّاحَةُ وَحَلَبَتِ البَقَرَةَ، وَوَضَعَتْ وِعَاءَ اللَّبَنِ فَوْقَ النَّضَدِ كَعَادَتِهَا وَمَضَتْ لِعَمَلِهَا. حِينَهَا، أَسْرَعَ الحِصَانُ وَقَامَ بِتَبْدِيلِ الأَوْعِيَةِ، فَوَضَعَ وِعَاءَ الجِيرِ مَكَانَ وِعَاءِ اللَّبَنِ، ثُمَّ اخْتَبَأَ خَلْفَ الأَشْجَارِ لِيُرَاقِبَ مَا سَيَحْدُثُ.

بَعْدَ دَقَائِقَ، ظَهَرَ الثَّعْلَبُ المَكَّارُ وَهُوَ يَمْشِي عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، وَعِنْدَمَا رَأَى الوِعَاءَ، ظَنَّ أَنَّهُ سَيَحْظَى بِوَلِيمَةٍ أُخْرَى مِنَ اللَّبَنِ. وَقَفَ عَلَى قَدَمَيْهِ الخَلْفِيَّتَيْنِ وَبَدَأَ يَلْعَقُ الجِيرَ المَمْزُوجَ بِالمَاءِ بِشَرَاهَةٍ كَبِيرَةٍ. وَفَجْأَةً، شَعَرَ الثَّعْلَبُ بِأَلَمٍ شَدِيدٍ فِي فَمِهِ وَحَلْقِهِ، فَصَرَخَ صَرْخَةً عَالِيَةً وَجَرَى هَارِباً وَهُوَ يَتَأَلَّمُ.

رَأَتِ الفَلَّاحَةُ الثَّعْلَبَ وَهُوَ يَهْرُبُ بَعِيداً، وَنَظَرَتْ إِلَى الوِعَاءِ فَوَجَدَتْهُ فَارِغاً، فَعَرَفَتْ حِينَهَا أَنَّ الثَّعْلَبَ هُوَ السَّارِقُ الحَقِيقِيُّ وَلَيْسَ القِطَّ المِسْكِينَ. جَاءَ الحِصَانُ بِهُدُوءٍ وَأَعَادَ وِعَاءَ اللَّبَنِ الطَّازَجِ إِلَى مَكَانِهِ أَمَامَ الفَلَّاحَةِ، فَأَدْرَكَتِ الفَلَّاحَةُ أَنَّ الحِصَانَ بِذَكَائِهِ هُوَ مَنْ كَشَفَ الحَقِيقَةَ.

فَرِحَتِ الفَلَّاحَةُ كَثِيراً وَشَعَرَتْ بِالذَّنْبِ لأَنَّهَا ظَلَمَتِ القِطَّ، وَتَقْدِيراً لِذَكَاءِ الحِصَانِ، قَدَّمَتْ لَهُ حُزْمَةً كَبِيرَةً مِنَ البَرْسِيمِ الأَخْضَرِ الشَّهِيِّ مُكَافَأَةً لَهُ. نَظَرَ الحِصَانُ إِلَى صَدِيقَتِهِ البَقَرَةِ بِسَعَادَةٍ وَقَالَ لَهَا: "تَفَضَّلِي يَا صَدِيقَتِي، كُلِي مَعِي مِنْ هَذَا البَرْسِيمِ، فَأَنْتِ أَيْضاً تَسْتَحِقِّينَهُ لأَنَّ قَلْبَكِ الطَّيِّبَ هُوَ مَنْ دَفَعَنِي لِمُسَاعَدَةِ القِطِّ". وَهَكَذَا عَاشَتِ الحَيَوَانَاتُ فِي المَزْرَعَةِ بِسَلَامٍ بَعْدَ أَنْ زَالَ الظُّلْمُ وَانْكَشَفَتِ الحَقِيقَةُ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم