الذئب المكار والراعي الطيب

الذِّئْبُ الْمَكَّارُ وَالرَّاعِي الطَّيِّبُ

الذئب المكار والراعي الطيب

كَانَ يَا مَكَانَ، فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ وَسَالِفِ الْعَصْرِ وَالْأَوَانِ، قَرْيَةٌ وَادِعَةٌ تَرْبِضُ بَيْنَ أَحْضَانِ الرَّوَابِي الْخَضْرَاءِ، وَتَتَرَقْرَقُ فِيهَا جَدَاوِلُ الْمِيَاءِ الصَّافِيَةِ كَأَنَّهَا قِطَعٌ مِنَ الْأَلْمَاسِ. وَفِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، كَانَ يَعِيشُ شَابٌّ يُدْعَى حُسَام، عُرِفَ بَيْنَ النَّاسِ بِصِدْقِ لِسَانِهِ، وَنَقَاءِ سَرِيرَتِهِ، وَطِيبَةِ قَلْبِهِ الَّتِي لَا تَعْرِفُ الْحِقْدَ أَوْ الضَّغِينَةَ. كَانَ حُسَامُ يَمْتَلِكُ قَطِيعًا مِنَ الْأَغْنَامِ جَمِيلَ الْمَنْظَرِ، نَاصِعَ الْبَيَاضِ، يَعْتَنِي بِهِ كَمَا يَعْتَنِي الْأَبُ بِأَبْنَائِهِ، فَيُطْعِمُهَا مِنْ أَطْيَبِ الْعُشْبِ، وَيَسْقِيهَا مِنْ أَعْذَبِ النَّبْعِ.

فِي صَبَاحِ أَحَدِ الْأَيَّامِ الْمُشْرِقَةِ، بَيْنَمَا كَانَ حُسَامُ يَعْزِفُ عَلَى نَايِهِ لَحْنًا شَجِيًّا تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةِ صَفْصَافٍ عَتِيقَةٍ، وَأَغْنَامُهُ تَرْتَعُ حَوْلَهُ بِأَمَانٍ، بَرَزَ لَهُ مِنْ بَيْنِ الشُّجَيْرَاتِ الْكَثِيفَةِ ذِئْبٌ هَرِمٌ، يَمْشِي بِتَثَاقُلٍ وَيَجُرُّ أَقْدَامَهُ جَرًّا. بَدَا الذِّئْبُ بَائِسًا، غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ، تَعْلُو وَجْهَهُ مَسْحَةٌ مِنَ الْحُزْنِ الشَّدِيدِ. اقْتَرَبَ الذِّئْبُ مِنَ الرَّاعِي بِحَذَرٍ، ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَقَ رَأْسَهُ إِلَى الْأَرْضِ بِذِلَّةٍ، وَانْطَلَقَ صَوْتُهُ مُتَهَدِّجًا بَاكِيًا: "يَا سَيِّدِي الرَّاعِي النَّبِيلَ، لَقَدْ عِشْتُ عُمْرِي طَرِيدًا وَحِيدًا، أَفْنَيْتُ شَبَابِي فِي الْغَدْرِ وَالظُّلْمِ، وَالْآنَ وَقَدْ غَزَا الشَّيْبُ رَأْسِي وَكَلَّ بَصَرِي، أَشْعَرُ بِنَدَمٍ يَأْكُلُ قَلْبِي كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْهَشِيمَ. لَقَدْ جِئْتُكَ تَائِبًا، مَادًّا يَدِي لِلْعَفْوِ، أَرْجُوكَ أَنْ تَسْمَحَ لِي بِأَنْ أَقْضِيَ مَا تَبَقَّى مِنْ عُمْرِي فِي خِدْمَتِكَ، أُكَفِّرُ عَنْ ذُنُوبِي وَأَحْمِي أَغْنَامَكَ الَّتِي كُنْتُ يَوْمًا عَدُوَّهَا."

لَمْ يَكُنْ حُسَامُ يَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الدُّمُوعَ لَيْسَتْ إِلَّا خُدْعَةً، وَأَنَّ هَذَا الِانْكِسَارَ مَا هُوَ إِلَّا قِنَاعٌ يُخْفِي خَلْفَهُ مَكْرًا لَا تَسَعُهُ الْغَابَةُ. رَقَّ قَلْبُ حُسَامٍ لِحَالِ الذِّئْبِ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: "إِنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ، وَلَعَلَّ هَذَا الْحَيَوَانَ صَادِقٌ فِي نَدَمِهِ." لَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَخْتَبِرَهُ، فَقَالَ لَهُ: "كَيْفَ آتَمَنُكَ عَلَى أَغْنَامِي وَأَنْتَ عَدُوُّهَا الْأَزَلِيُّ؟" فَأَجَابَ الذِّئْبُ بِدَهَاءٍ: "جَرِّبْنِي يَا سَيِّدِي، سَأَكُونُ حَارِسًا أَمِينًا، وَسَأَمْتَنِعُ عَنْ أَكْلِ اللَّحْمِ تَمَامًا، وَسَأَذُودُ عَنْ قَطِيعِكَ بِرُوحِي."

وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، وَفِي مَشْهَدٍ مُدَبَّرٍ بِإِتْقَانٍ، انْدَفَعَ ذِئْبٌ شَابٌّ شَرِسٌ مِنْ بَيْنِ الْأَشْجَارِ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ الِانْقِضَاضَ عَلَى الْأَغْنَامِ. وَقَبْلَ أَنْ يَتَحَرَّكَ حُسَامُ، قَفَزَ الذِّئْبُ الْعَجُوزُ بِقُوَّةٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهَا الرَّاعِي، وَدَخَلَ فِي عِرَاكٍ عَنِيفٍ مَعَ الذِّئْبِ الْمُهَاجِمِ حَتَّى طَرَدَهُ بَعِيدًا. لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلَّا تَمْثِيلِيَّةً اتَّفَقَ فِيهَا الذِّئْبَانِ عَلَى خِدَاعِ الرَّاعِي. حِينَهَا، زَالَتْ شُكُوكُ حُسَامٍ تَمَامًا، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِ الذِّئْبِ الْعَجُوزِ قَائِلًا: "لَقَدْ أَثْبَتَّ إِخْلَاصَكَ، مَنِ الْآنَ أَنْتَ رَفِيقي وَحَارِسُ قَطِيعِي."

مَرَّتِ الْأَيَّامُ، وَالذِّئْبُ يُظْهِرُ كُلَّ أَدَبٍ وَتَفَانٍ، حَتَّى كَسَبَ ثِقَةَ الرَّاعِي الْعَمْيَاءَ. وَفِي صَبَاحِ يَوْمٍ كَانَ عَلَى حُسَامٍ أَنْ يَقْصِدَ الْمَدِينَةَ الْبَعِيدَةَ لِأَمْرٍ طَارِئٍ، فَالْتَفَتَ إِلَى الذِّئْبِ وَقَالَ لَهُ: "يَا صَدِيقِي، سَأَتْرُكُ الْأَغْنَامَ فِي عُهْدَتِكَ لِيَوْمٍ وَاحِدٍ، فَهَلْ أَنْتَ لَهَا؟" رَدَّ الذِّئْبُ وَالْفَرَحُ يَكَادُ يَقْفِزُ مِنْ عَيْنَيْهِ: "اذْهَبْ مُطْمَئِنَّ الْبَالِ، فَلَنْ تَمَسَّهَا سُوءٌ مَا دُمْتُ حَيًّا."

وَمَا إِنْ تَوَارَى الرَّاعِي عَنِ الْأَنْظَارِ، حَتَّى تَغَيَّرَتْ مَلَامِحُ الذِّئْبِ تَمَامًا؛ فَاخْتَفَى الِانْكِسَارُ وَظَهَرَتِ الْأَنْيَابُ الْحَادَّةُ، وَارْتَفَعَ عُوَاؤُهُ فِي أَرْجَاءِ الْغَابَةِ مُنَادِيًا رِفَاقَهُ. وَفِي دَقَائِقَ مَعْدُودَةٍ، هَجَمَتْ عِصَابَةٌ مِنَ الذِّئَابِ الْجَائِعَةِ، وَعَاثُوا فِي الْأَغْنَامِ قَتْلًا وَأَكْلًا، وَلَمْ يَبْقَ مِنَ الْقَطِيعِ إِلَّا بَقَايَا عِظَامٍ وَصُوفٍ مُمَزَّقٍ.

عِنْدَ الْغُرُوبِ، عَادَ حُسَامُ وَهُوَ يَحْمِلُ لِلذِّئْبِ طَعَامًا جَيِّدًا مُكَافَأَةً لَهُ، لَكِنَّهُ صُدِمَ بِالْمَشْهَدِ الْمُرَوِّعِ. وَجَدَ الْمَرْعَى قَفْرًا خَالِيًا، وَرَأَى آثَارَ الْغَدْرِ وَاضِحَةً فِي كُلِّ مَكَانٍ. سَقَطَ حُسَامُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَهَمَلَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ، لَيْسَ فَقَطْ حُزْنًا عَلَى أَغْنَامِهِ، بَلْ نَدَمًا عَلَى طِيبَتِهِ الَّتِي وَضَعَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا. نَظَرَ إِلَى الْأُفُقِ وَقَالَ بِمَرَارَةٍ: "لَقَدْ أَخْطَأْتُ حِينَ ظَنَنْتُ أَنَّ الطَّبْعَ يَتَغَيَّرُ بِالتَّظَاهُرِ، فَالذِّئْبُ يَبْقَى ذِئْبًا مَهْمَا لَبِسَ ثِيَابَ الْحُمْلَانِ." وَمِنْ ذَلِكَ الْحِينِ، صَارَ حُسَامُ يُحَذِّرُ الْجَمِيعَ مِنْ أَنَّ الْحِكْمَةَ يَجِبُ أَنْ تَقُودَ الطِّيبَةَ، وَأَنَّ الثِّقَةَ لَا تُعْطَى إِلَّا لِمَنْ كَانَ لَهَا أَهْلًا.

إرسال تعليق

أحدث أقدم