المِحْفَظَةُ الضَّائِعَةُ.. جَنَاتُ وَالدَّرْسُ العَظِيمُ
أَهْلًا وَسَهْلًا بِكُمْ يَا بَرَاعِمَ الإِيمَانِ وَأَحِبَّاءَ القِيَمِ النَّبِيلَةِ، فِي رِحَابِ قِصَّةٍ تَسْمُو بِالنَّفْسِ وَتُهَذِّبُ الوِجْدَانَ، تَحْكِي لَنَا كَيْفَ لِلصِّدْقِ أَنْ يَكُونَ مِفْتَاحًا لِلْقُلُوبِ المُغْلَقَةِ، وَكَيْفَ لِلأَمَانَةِ أَنْ تُحِيلَ الظُّلْمَةَ نُورًا. فِي قَرْيَةٍ نَائِيَةٍ تَلُفُّهَا السَّكِينَةُ، وَتَحْتَ سَقْفِ بَيْتٍ طِينِيٍّ مُتَوَاضِعٍ يَرْبِضُ فَوْقَ تَلَّةٍ بَعِيدَةٍ، كَانَتْ تَعِيشُ طِفْلَةٌ اِسْمُهَا "جَنَاتُ" مَعَ أُمِّهَا الصَّابِرَةِ. لَقَدْ عَاشَتَا حَيَاةً مِلْؤُهَا العَوَزُ وَالفَقْرُ الشَّدِيدُ بَعْدَ رَحِيلِ وَالِدِهَا الكَدُودِ، حَتَّى بَاتَ قُوتُ يَوْمِهِمَا مَطْلَبًا عَسِيرًا، مِمَّا اِضْطَرَّ جَنَاتَ الصَّغِيرَةَ، رَغْمَ نَحَافَةِ جَسَدِهَا وَرِقَّةِ حَالِهَا، أَنْ تَجُوبَ الطُّرُقَاتِ القَرِيبَةَ مِنْ قُصُورِ الأَثْرِيَاءِ، تَبْحَثُ فِي بَقَايَا مَا يُلْقُونَهُ لَعَلَّهَا تَجِدُ كِسْرَةَ خُبْزٍ أَوْ سَدَّ رَمَقٍ، وَرَغْمَ ذَلِكَ كُلِّهِ، كَانَتْ جَنَاتُ تَحْمِلُ بَيْنَ أَضْلُعِهَا قَلْبًا يَنْبِضُ بِالإِيمَانِ، وَنَفْسًا تَعِزُّ عَلَى الدَّنِيَّةِ.
وَفِي ظَهيرَةِ يَوْمٍ شَدِيدِ الحَرِّ، بَيْنَمَا كَانَتْ جَنَاتُ تَنْبُشُ بِأَنَامِلِهَا الصَّغِيرَةِ بَحْثًا عَمَّا يُسَدُّ بِهِ الجُوعُ، وَقَعَتْ عَيْنَاهَا عَلَى شَيْءٍ غَرِيبٍ اِسْتَقَرَّ بِجَانِبِ إِحْدَى الحَاوِيَاتِ؛ لَقَدْ كَانَتْ مِحْفَظَةً جِلْدِيَّةً سَوْدَاءَ، يَبْدُو عَلَيْهَا الثَّرَاءُ وَالفَخَامَةُ. اِلْتَقَطَتْهَا جَنَاتُ بِحَذَرٍ، وَدَسَّتْهَا فِي كِيسِهَا المُمَزَّقِ، ثُمَّ اِنْطَلَقَتْ تَعْدُو نَحْوَ بَيْتِهَا كَأَنَّ الرِّيحَ تَحْمِلُهَا، وَأَنْفَاسُهَا تَتَسَارَعُ بِقُوَّةٍ. حِينَمَا دَخَلَتِ البَيْتَ، نَادَتْ بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ: "أُمِّي! أُمِّي! اُنْظُرِي مَاذَا سَاقَ القَدَرُ إِلَيْنَا!". فَتَحَتِ الأُمُّ المِحْفَظَةَ بِيَدَيْنِ مُرْتَجِفَتَيْنِ، فَإِذَا بِهَا تَجِدُ رُزَمًا مِنَ النُّقُودِ الوَفِيرَةِ، وَبِجَانِبِهَا بِطَاقَةُ هُوِيَّةٍ. وَمَا إِنْ أَبْصَرَتِ الأُمُّ الصُّورَةَ وَالاِسْمَ حَتَّى تَحَوَّلَتْ مَلامِحُهَا مِنْ مَفْجُوعَةٍ إِلَى سَاخِرَةٍ حَاقِدَةٍ، وَقَالَتْ بِضِحْكَةٍ تَمْلَؤُهَا المَرَارَةُ: "إِنَّهَا لِلسَّيِّدِ مُقَاطِعٍ! ذَاكَ الرَّجُلُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ لِلرَّحْمَةِ سَبِيلًا.. لَقَدْ رَدَّ اللهُ إِلَيْنَا بَعْضَ مَالِنَا!".
اِنْدَهَشَتْ جَنَاتُ مِنْ رَدِّ فِعْلِ أُمِّهَا، لَكِنَّ الأُمَّ اِسْتَرْسَلَتْ فِي بُكَاءٍ مَرِيرٍ وَهِيَ تَسْتَعِيدُ ذِكْرَيَاتِ الظُّلْمِ: "أَتَذْكُرِينَ يَا جَنَاتُ كَيْفَ طَرَدَنَا هَذَا الرَّجُلُ مِنَ المَنْزِلِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيكِ؟ لَقَدْ زَوَّرَ العُقُودَ، وَادَّعَى كَذِبًا أَنَّ أَبَاكِ بَاعَهُ الدَّارَ، وَأَلْقَى بِنَا فِي العَرَاءِ دُونَ شَفَقَةٍ!". كَانَتِ الأُمُّ تَرَى فِي هَذِهِ المِحْفَظَةِ فُرْصَةً لِلاِنْتِقَامِ وَتَعْويضِ الشَّقَاءِ، لَكِنَّ جَنَاتَ الصَّغِيرَةَ، بِصَفَاءِ نَفْسِهَا، قَالَتْ بِهُدُوءٍ: "وَلَكِنَّ المَالَ لَيْسَ لَنَا يَا أُمِّي، نَحْنُ نَعْرِفُ صَاحِبَهُ، وَرَدُّ الأَمَانَةِ وَاجِبٌ". رَدَّتِ الأُمُّ بَانْفِعَالٍ: "لَقَدْ ظَلَمَنَا يَا اِبْنَتِي، وَلَا أَحَدَ يَرَانَا الآنَ، لِمَاذَا نُعِيدُ إِلَيْهِ مَالَهُ وَقَدْ سَرَقَ عُمْرَنَا؟". هُنَا، نَظَرَتْ جَنَاتُ فِي عَيْنَيْ أُمِّهَا بِنَظْرَةٍ ثَاقِبَةٍ، وَنَطَقَتْ بِكَلِمَاتٍ اِهْتَزَّتْ لَهَا جُدْرَانُ البَيْتِ الطِّينِيِّ: "يَا أُمِّي.. إِنْ كَانَ النَّاسُ لَا يَرَوْنَنَا، فَأَيْنَ اللهُ؟! فَأَيْنَ اللهُ؟!".
سَقَطَتِ الكَلِمَاتُ عَلَى قَلْبِ الأُمِّ كَالصَّاعِقَةِ المُنِيرَةِ، فَأَخْرَسَتْ كُلَّ هَوَاجِسِ النَّفْسِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ. لَمْ تَنْبِسِ الأُمُّ بِبِنْتِ شَفَةٍ، بَلْ قَامَتْ مُطَأْطِئَةَ الرَّأْسِ، وَأَمْسَكَتْ بِيَدِ جَنَاتَ، وَتَوَجَّهَتَا مَعًا نَحْوَ قَصْرِ السَّيِّدِ مُقَاطِعٍ. حِينَمَا وَقَفَتَا أَمَامَ بَابِهِ، طَرَقَتِ الأُمُّ البَابَ بِثَبَاتٍ هَذِهِ المَرَّةَ. خَرَجَ السَّيِّدُ مُقَاطِعٍ وَعَلامَاتُ القَلَقِ بَادِيَةٌ عَلَى وَجْهِهِ لِضَيَاعِ مَالِهِ، وَمَا إِنْ رَأَى الأَرْمَلَةَ وَاِبْنَتَهَا حَتَّى تَعَجَّبَ، فَمَدَّتِ الأُمُّ يَدَهَا بِالمِحْفَظَةِ قَائِلَةً: "هَذِهِ مِحْفَظَتُكَ، وَجَدَتْهَا جَنَاتُ". صُعِقَ الرَّجُلُ مِنْ هَذَا المَوْقِفِ؛ كَيْفَ لِمَنْ ظَلَمَهُمْ وَشَرَّدَهُمْ أَنْ يَكُونُوا بِهَذِهِ النَّزَاهَةِ؟ سَأَلَ بِذُهُولٍ: "لِمَاذَا أَعَدْتُمُوهَا وَأَنْتُمْ فِي أَشَدِّ الحَاجَةِ؟!". فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ جَنَاتُ وَقَالَتْ بِصَوْتٍ مَلَائِكِيٍّ: "لِأَنَّنَا سَأَلْنَا أَنْفُسَنَا: فَأَيْنَ اللهُ؟!".
تِلْكَ الجُمْلَةُ زَلْزَلَتْ كَيَانَ السَّيِّدِ مُقَاطِعٍ، وَأَيْقَظَتْ ضَمِيرَهُ الَّذِي غَطَّ فِي سُبَاتٍ عَمِيقٍ لِسَنَوَاتٍ. لَمْ يَنَمِ الرَّجُلُ لَيْلَتَهَا، وَفِي الصَّبَاحِ البَاكِرِ، قَصَدَ بَيْتَهُمَا المَهْجُورَ حَامِلًا أَوْرَاقًا رَسْمِيَّةً، وَبِكَى بَيْنَ يَدَيِ الأُمِّ طَالِبًا الصَّفْحَ، وَسَلَّمَهَا صَكَّ مِلْكِيَّةِ مَنْزِلِهِمَا القَدِيمِ مُعْتَرِفًا بِتَزْويرِهِ، بَلْ وَخَصَّصَ لَهُمَا رَاتِبًا وَرَعَايَةً تَلِيقُ بِصِدْقِهِمَا. لَمْ يَتَوَقَّفِ التَّغْيِيرُ هُنَا، بَلْ شَمِلَ السَّيِّدَ مُقَاطِعٍ نَفْسَهُ، الَّذِي أَصْبَحَ مَنَارَةً لِلْعَدْلِ فِي القَرْيَةِ، يُعِيدُ الحُقُوقَ وَيُوَاسِي الضُّعَفَاءَ، وَكُلَّمَا أَعْجَبَ النَّاسُ مِنْ حَالِهِ، قَالَ لَهُمْ: "لَقَدْ تَعَلَّمْتُ مِنْ طِفْلَةٍ أَنَّ اللهَ يَرَانَا حَيْثُمَا كُنَّا". وَهَكَذَا عَادَتْ جَنَاتُ إِلَى بَيْتِهَا مُعَزَّزَةً، وَأَصْبَحَتْ قِصَّتُهَا دَرْسًا خَالِدًا يَتَنَاقَلُهُ الأَجْيَالُ عَنْ عظمةِ الرَّقَابَةِ الإِلَهِيَّةِ وَجَمَالِ العَفْوِ عِنْدَ المَقْدِرَةِ.