حكاية الدب الأبيض

حكاية الدب الأبيض


أقبل الربيع بجماله الساحر، فاكتست الأرض حلة خضراء وتفتحت الأزهار لتعطر الأجواء بشذاها الطيب. ومع شروق الشمس وخيوطها الذهبية، استيقظت أسراب النحل بنشاط لتبدأ يومها بالعمل، تطير من زهرة إلى زهرة وتمتص الرحيق، لتعود به إلى الخلايا وتخرجه عسلاً صافياً فيه شفاء للناس. كان النحل مجداً، لا يعرف الكسل ولا يؤجل عمل اليوم إلى الغد.

وفي تلك الأثناء، حين كان العالم يضج بالنشاط، استيقظ الدب الأبيض من نومه متأخراً وهو يتثاءب بكسل، فقد اعتاد السهر الطويل وإهمال العمل. شعر الدب بجوع شديد ينهش معدته، فخرج يجر قدميه بتثاقل بحثاً عن صيد، وبعد عناء طويل، عثر على ثلاث خلايا للنحل. مد أنفه بحذر وتذوق العسل، فطار فرحاً وصاح: "يا له من طعام شهي! سآكله كله وحدي ولن أخبر أحداً من الدببة عن هذا الكنز". وبالفعل، التهم عسل الخلية الأولى وعاد لبيته مسروراً دون أن يبذل أي جهد.

عندما عاد النحل في المساء، كانت الصدمة كبيرة! لقد اختفى جهد الأسابيع وضاع العسل. اجتمع النحل حول الملكات، واقترحت نحلة عجوز حكيمة قائلة: "لا فائدة من الجدال، يجب أن نضع خطة لنعرف هذا المعتدي ونطرده". فقررت الملكات تعيين حارسات لمراقبة الخلايا أثناء غياب السرب في الحقول.

في الأيام التالية، كرر الدب فعلته والتهم الخلية الثانية ثم الثالثة، ظانّاً أن أحداً لا يراه، لكن الحارسات رصدته في المرة الأخيرة وأسرعن لإبلاغ الملكات. وبإشارة متفق عليها، انطلقت أسراب النحل كأنها طائرات مقاتلة، وهجمت على الدب دفعة واحدة، تغرس إبرها الحامية في أنفه وعينيه ووجهه.

صاح الدب من شدة الألم وأخذ يتقافز ويجري في كل اتجاه، بينما كانت حيوانات الغابة تراقب المشهد وتضحك على عاقبة طمعه وسرقته. ومن شدة ذعره، داس الدب على إحدى الخلايا وحطمها، فاشتد غيظ النحل وضاعفوا هجومهم عليه حتى فر هارباً يجر أذيال الخيبة والوجع.

عاد الدب إلى بيته ووجهه متورم كبالونة حمراء، يلهث ويتوجع قائلاً في نفسه: "لقد أخطأت في حق النحل، وتعلمت أن العسل لذيذ لكن لسعات النحل المتعاون لا تُحتمل!". ومنذ ذلك اليوم، قرر الدب أن يترك الكسل وينام مبكراً ليصحو مع الفجر ويسعى وراء رزقه بجد وتعب. أما النحل، فقد تعاونوا جميعاً وأعادوا بناء ما تهدم، واستمروا في حياتهم النشيطة يملؤون الغابة بالخير والعسل الشهي.

إرسال تعليق

أحدث أقدم