الراعي الصغير
في قديم الزمان، كان هناك ولد طيب القلب يدعى الراعي الصغير، كان يعيش في كوخ خشبي متواضع مع والديه فوق قمة جبل شاهق، بعيدا عن ضجيج المدن وازدحامها.
كان الراعي الصغير يمتلك قطيعا كبيرا من الأغنام الجميلة، وكان يستيقظ كل يوم مع خيوط الفجر الأولى، يراقب النجوم وهي تنسحب بهدوء من السماء لتترك مكانا لمنظر شروق الشمس الساحر.
كانت الشمس تطل من وراء التلال بشعاع بنفسجي يتحول رويدا رويدا إلى خيوط ذهبية تملأ الأرض بالدفء، حتى تصير كرة متوهجة تبهر الأنظار.
كان هذا الراعي يحب طبيعته الجبلية بكل تفاصيلها، فيطرب لخرير الماء وهو ينساب في الجداول الصغيرة، ويفرح بتغريد العصافير التي تنتقل بخفة بين غصون الأشجار.
والأجمل من ذلك كله، هي علاقته بأغنامه، فقد كان يحبها حبا شديدا ويعرف كل واحدة منها باسمها، وهي بدورها كانت تميز صوته وتطيعه.
وفي كل مساء، عندما يحين وقت العودة، كانت الأغنام تحيط به وتسير خلفه كأنها مجموعة من الأصدقاء الأوفياء الذاهبين للراحة بعد يوم جميل.
لكن في يوم من الأيام، وبينما كان الراعي يجمع قطيعه، اكتشف فجأة أن إحدى أغنامه المحببة إلى قلبه قد اختفت. بحث عنها في كل مكان، ونادى عليها بصوت عال، لكنه لم يجدها، فتملكه حزن كبير.
أدخل الراعي بقية الأغنام إلى الحظيرة ليؤمنها، ثم انطلق وحيدا في رحلة بحث شاقة وسط الجبال.
أخذ يصفر بصفارته المميزة التي اعتادت الأغنام على سماعها، ويتسلق الصخور العالية لعل عينه تلمح الشاة الضائعة في الوديان البعيدة، لكن الأرض بدت وكأنها ابتلعت الشاة تماما.
وبينما هو منغمس في بحثه، وجد الراعي الصغير نفسه فجأة أمام العملاق الشرير "شنكور"، وهو رجل جبال ضخم ومخيف. ضحك العملاق بصوت كالرعد وقال ساخرا: "يا لك من طفل صغير يشبه الدمية المزخرفة! إن ثيابك وزخرفتك لا تعجبني، وسأقضي عليك أيها الراعي".
ثم خطرت للعملاق فكرة، فقال: "انتظر، هل تحب أن نلعب معا لعبة الحظ قبل أن أنفذ وعيدي؟".
وافق الراعي بذكاء، فانتزع العملاق صخرتين كبيرتين من الجبل وصنع منهما زهرين ضخمين وألقاهما على الأرض، متحديا الراعي أن يغلب حظه.
نظر الراعي إلى زهر العملاق وقال بهدوء: "هذا الزهر كبير جدا لكنه سيء الصنع، أنا معي زهر أجمل وأفضل منه بكثير".
أخرج الراعي زهرا من جيبه وألقاه، فكان الحظ بجانبه وتفوق على العملاق. استشاط شنكور غضبا، فاقترح لعبة أخرى تسمى "الكوتشينة السحرية"، وأخرج ثلاث ورقات: ورقة النقود، وورقة النسر، وورقة العصا، وأخبر الراعي أن كل ورقة منها تنفذ ما يطلب منها.
بذكاء شديد، أخبر الراعي العملاق أن الزهر الذي فاز به كان مزيفا، مما جعل العملاق يغضب ويطالب بالزهر المزيف. وفي لحظة انشغال العملاق، تمسك الراعي بورقة النسر وهمس لها أن تحمله بعيدا.
وفجأة، خرج من الورقة نسر ضخم حمل الراعي وطار به عاليا في السماء إلى مكان آمن. استغل الراعي الفرصة فجرب ورقة النقود وطلب منها ثروة، فبدأت العملات الذهبية تتدفق بغزارة حتى ملأ جيوبه.
لكن العملاق شنكور لم يستسلم، فبدأ يركض بخطوات واسعة محاولا الإمساك بالراعي. وعندما اقترب جدا، استخدم الراعي الورقة الثالثة، وهي ورقة العصا السحرية، وأمرها أن تضرب العملاق الشرير جزاء لما يفعله.
انطلقت العصا في الهواء وأخذت تنهال ضربا على شنكور حتى هرب بعيدا في أعماق الغابة ولم يره أحد بعد ذلك.
وبينما كان الراعي يطير على ظهر النسره، لمح من الأعلى شاته الضائعة وهي تنام بسلام في بقعة من الغابة، فنزل إليها وحملها بفرح كبير.
قرر الراعي الصغير أن يخفي الأوراق السحرية في حفرة عميقة لكي لا تقع في يد شريرة مرة أخرى، واكتفى بالثروة التي حصل عليها، وعاد إلى منزله وجباله الحبيبة.
ومنذ ذلك اليوم، عاش الراعي الصغير حياة سعيدة وهانئة، واستخدم أمواله في مساعدة الفقراء والمحتاجين، فصار محبوبا من الجميع أكثر من ذي قبل.