الفراشَةُ والنَّحْلَةُ

 الفراشَةُ والنَّحْلَةُ

الفراشَةُ والنَّحْلَةُ

خَرَجَتْ فَرَاشَةٌ زَاهِيَةُ الأَلْوَانِ فِي يَوْمٍ صَحْوٍ مُشْرِقٍ وَجَمِيلٍ، كَانَتْ تَمْرَحُ بَيْنَ الرُّبُوعِ، تَلْعَبُ وَتَطِيرُ بِخِفَّةٍ وَرَشَاقَةٍ بَيْنَ أَكْنَافِ الزُّهُورِ الْفَوَّاحَةِ، وَتَتَنَقَّلُ بَيْنَ الْوُرُودِ وَالْأَشْجَارِ وَالنَّبَاتَاتِ الْخَضْرَاءِ النَّضِرَةِ. وَبَيْنَمَا كَانَتْ فِي غَمْرَةِ سُرُورِهَا، حَطَّتْ عَلَى نَبْتَةٍ كَانَتْ تَحْمِلُ بَيْنَ طَيَّاتِهَا شَوْكاً كَثِيراً وَحَادًّا، فَلَمْ تَنْ تَبِهْ لِمَا يُخْفِيهِ ذَاكَ النَّبَاتُ، فَانْغَرَزَتْ فِي جِسْمِهَا الرَّقِيقِ شَوْكَةٌ صَلْبَةٌ أَوْجَعَتْهَا وَآلَمَتْهَا كَثِيراً.

وَفِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الْعَصِيبَةِ، صَادَفَ أَنْ مَرَّتْ بِالْفَرَاشَةِ الْمُتَأَلِّمَةِ نَحْلَةٌ دَؤُوبَةٌ، فَمَا كَانَ مِنَ النَّحْلَةِ إِلَّا أَنْ أَلْقَتْ عَلَيْهَا التَّحِيَّةَ وَسَلَّمَتْ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَنَتْ مِنْهَا وَسَأَلَتْهَا عَنْ حَالِهَا بِلُطْفٍ. فَلَمَّا أَبْصَرَتِ النَّحْلَةُ الْفَرَاشَةَ جَرِيحَةً تُعَانِي، لَمْ تَتَرَدَّدْ فِي مُسَاعَدَتِهَا، بَلْ حَطَّتْ بِالْقُرْبِ مِنْهَا وَأَوْلَتْهَا عِنَايَةً بَالِغَةً وَاهْتَمَّتْ بِأَمْرِهَا اهْتِمَاماً كَبِيراً.

بَادَرَتِ النَّحْلَةُ بِعَمَلٍ نَبِيلٍ، فَضَمَّدَتْ جُرْحَ الْفَرَاشَةِ بِرِفْقٍ، وَسَقَتْهَا مِنْ فَمِهَا قَلِيلاً مِنَ الْعَسَلِ الصَّافِي، فَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ حَتَّى سَرَى الشِّفَاءُ فِي جَسَدِهَا وَشُفِيَتْ فِي الْحَالِ. حِينَئِذٍ، غَمَرَتِ السَّعَادَةُ قَلْبَ الْفَرَاشَةِ، فَشَكَرَتِ النَّحْلَةَ شُكْراً جَزِيلاً عَلَى مَعْرُوفِهَا وَفِعْلِهَا الطَّيِّبِ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ تُحَلِّقُ فِي الْفَضَاءِ فَرِحَةً لَاعِبَةً، تَجُولُ بَيْنَ الزُّهُورِ وَالْأَعْشَابِ وَالْأَشْجَارِ، تُزَيِّنُ بِأَلْوَانِهَا بَهَاءَ الطَّبِيعَةِ وَتَزِيدُهَا رَوْنَقاً بِجَمَالِهَا وَخِفَّتِهَا. أَمَّا النَّحْلَةُ الْمُبَارَكَةُ، فَقَدْ مَضَتْ رَاشِدَةً فِي سَبِيلِ حَالِهَا، تُواصِلُ كَدَّهَا لِتَصْنَعَ الْعَسَلَ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ شِفَاءً لِلنَّاسِ.


إرسال تعليق

أحدث أقدم