الأُرْجوحَة
فِي يَوْمٍ مُشْمِسٍ وجَميلٍ، كانَ الطِّفْلُ الذَّكِيُّ «عزيز» يَتَجَوَّلُ مَعَ عائِلَتِهِ فِي مَنْتَجَعٍ سِياحيٍّ واسِعٍ، مَليءٍ بِالأَشْجارِ الخَضْراءِ والزُّهورِ المُلَوَّنَةِ التي تُعَطِّرُ الجَوَّ بِرائِحَتِها الزَّكِيَّةِ. وبَيْنَما كانَ يَمْشي مَسْروراً، وَقَعَتْ عَيناهُ على رُكْنِ الأَلْعابِ، وهُناكَ رَأَى أُرْجوحَةً كَبيرةً وزاهِيَةَ الأَلْوانِ، تَتَصاعَدُ مِنها ضَحِكاتٌ رانَّةٌ. كانَتْ هُناكَ فتاةٌ صَغيرةٌ فِي مِثْلِ عُمْرِهِ تَماماً، تَرْتَدي فُسْتاناً زاهِياً، وتَركَبُ الأُرْجوحَةَ بِحَماسٍ شَديدٍ، وتَطيرُ بِها عالِياً نَحْوَ السَّماءِ، ثُمَّ تَعُودُ لِتَهْبِطَ بِمَرَحٍ، وهِيَ تُغَمِّضُ عَيْنَيْها وتَصْرُخُ مِنَ الفَرَحِ وكَأَنَّها عُصْفورٌ طَليقٌ.
وَقَفَ «عزيز» بَعيداً قَليلاً يُراقِبُ المَشْهَدَ، وشَعَرَ بِرَغْبَةٍ قَوِيَّةٍ فِي أَنْ يَجْلِسَ مَكانَها ويُجَرِّبَ ذَلِكَ الشُّعورَ الرائِعَ بِالطَّيَرانِ فِي الهَواءِ المُنْعِشِ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، تَسَلَّلَتْ إلى نَفْسِهِ غَيْرَةٌ بَسيطةٌ، وحَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ لِثانِيَةٍ واحِدَةٍ أَنْ يَقْتَرِبَ مِنها ويَطْلُبَ مِنها النُّزولَ بِقُوَّةٍ، أو رُبَّما يَدْفَعُها لِيأْخُذَ مَكانَها بِسُرْعَةٍ. لَكِنَّ «عزيز» كانَ طِفْلاً مُهَذَّباً، فَسُرْعانَ ما نَفَضَ هَذِهِ الأَفْكارَ المُزْعِجَةَ عَنْ رَأْسِهِ، وتَذَكَّرَ أَنَّ الأَدَبَ والاصْطِبارَ هُما صِفاتُ الأَطْفالِ الرّائِعينَ، فَقَرَّرَ أَنْ يَقِفَ جانِباً ويَنْتَظِرَ دَوْرَهُ بِهُدوءٍ واحْتِرامٍ.
مَرَّتِ الدَّقائِقُ، وظَلَّتِ الفتاةُ تَمْرَحُ وتَلْعَبُ دونَ أَنْ تَنْزِلَ، فَبدأَ «عزيز» يَشْعُرُ بِقَليلٍ مِنَ المَلَلِ مِنَ الِانْتِظارِ. وفَجْأَةً، لَمَعَتْ فِي عَقْلِهِ فِكْرَةٌ ذَكِيَّةٌ ومُبْتَكَرَةٌ، وقالَ فِي سِرِّهِ: «لِماذا أَبْقى واقِفاً هَكَذا حَزيناً أَنْتَظِر؟ لِماذا لا أُشارِكُها هَذِهِ اللَّحْظاتِ السَّعيدَةَ وأَنا على الأَرْضِ؟». وبالفِعْلِ، تَقَدَّمَ «عزيز» بِخُطواتٍ واثِقَةٍ ووَقَفَ خَلْفَ الأُرْجوحَةِ تَماماً. وحينَ هَبَطَتِ الفتاةُ لِلْخَلْفِ، مَدَّ يَدَيْهِ الصَّغيرَتَيْنِ وبَدَأَ يَدْفَعُ المِقْعَدَ بِرِفْقٍ وقُوَّةٍ فِي آنٍ واحِدٍ.
مَعَ كُلِّ دَفْعَةٍ مِن «عزيز»، كانَتِ الأُرْجوحَةُ تَرْتَفِعُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ، وزادَتْ سُرْعَتُها، وزادَتْ مَعَها صَرَخاتُ الفتاةِ الضّاحِكَةِ. لَمْ يَعُدْ «عزيز» مُجَرَّدَ مُراقِبٍ، بَلْ صارَ جُزْءاً مِنَ اللَّعْبَةِ؛ بَدأَ يَجْري ويَضْحَكُ ويُشَجِّعُها قائِلاً: «هَيّا.. إلى الأَعْلى!». وشَعَرَ بِسَعادَةٍ غامِرَةٍ تَفوقُ سَعادَتَهُ لَوْ كانَ يَرْكَبُ وَحْدَهُ، لأَنَّهُ رَأى نَتيجةَ صَنيعِهِ فِي عَيْنَيِ الفتاةِ اللَّتَيْنِ بَرَقَتا مِنَ الِامْتِنانِ والمَرَحِ.
أَحَسَّتِ الفتاةُ بِطِيبَةِ قَلْبِ هَذا الصَّبِيِّ الذي آثَرَ أَنْ يُسْعِدَها بَدلاً مِنْ أَنْ يُزاحِمَها، فَأَرادَتْ أَنْ تَرُدَّ لَهُ الجَميلَ وتَكونَ مُنْصِفَةً ومُحِبَّةً لِلْغَيْرِ. وبِحَرَكَةٍ رَشيقةٍ، أَمْسَكَتْ بِحِبالِ الأُرْجوحَةِ حتّى هَدَأَتْ، ثُمَّ قَفَزَتْ مِنْها وهي تَبْتَسِمُ بوجْهٍ مُشْرِقٍ وقالتْ لَهُ: «لَقَدْ كُنْتَ رائعاً جِدّاً! الآنَ جاءَ دَوْرُكَ يا صَديقي، اصْعَدْ أَنْتَ لِتَطيرَ فِي السَّماء!».
ارْتَسَمَتْ فَرْحَةٌ كَبيرةٌ على وجْهِ «عزيز»، وجَلَسَ على مِقْعَدِ الأُرْجوحَةِ المريحِ، وبَدأَتِ الفتاةُ تَدْفَعُهُ بِكِلْتا يَدَيْها بِنَفْسِ الحَماسِ. صارَ «عزيز» يَطيرُ صاعِداً وهابِطاً، ويَشْعُرُ بِنَسيمِ الهَواءِ يُداعِبُ وجْهَهُ، وكانَ صَوْتُ ضَحِكاتِهِما مَعاً يَمْلأُ المَكانَ بَهْجَةً. وفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الجَميلَةِ، تَعَلَّمَ الطِّفْلانِ دَرْساً لَنْ يَنْسَياهُ أَبَداً؛ وهو أَنَّ الأَلْعابَ تَصيرُ أَجْمَلَ، والمَرَحَ يُصْبِحُ مُضاعَفاً، حِينَ نَتَشارَكُهُ مَعَ الآخَرينَ بِكَرَمٍ وحُبٍّ.
.jpg)