القطة مشمشة والفأر الشقي

 القطة مشمشة والفأر الشقي

القطة مشمشة والفأر الشقي

كَانَت مِشمِشَة قِطَّةً بَيضَاء جَمِيلَةً جِدّاً، تَهتَمُّ بِنَظَافَتِهَا كَثِيراً فَتُقضي وَقتَهَا فِي تَنظِيفِ فَروِهَا النَّاصِعِ بِلِسَانِهَا، وَكَانَت تَعتَزُّ كَثِيراً بِالشَّرِيطِ الأَحمَرِ الأَنِيقِ الَّذِي تَربُطُهُ حَولَ رَقَبَتِهَا. وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ، كَانَت مِشمِشَة تَرقُدُ بِاستِرخَاءٍ بَينَمَا كَانَ الفَأرُ الشَّقِيُّ يُحَاوِلُ قَرضَ بَابِ المَطبَخِ بِأسنَانِهِ الصَّغِيرَةِ. لَم تَكُن مِشمِشَة نَائِمَةً تَمَاماً، بَل كَانَت ذَكِيَّةً تَفتَحُ عَينًا وَتُغلِقُ الأُخرَى لِتُرَاقِبَ مَا يَحدُثُ. خَافَ الفَأرُ الشَّقِيُّ وَقَالَ لأَصحَابِهِ: "هَل هُنَاكَ طَرِيقَةٌ لِنَدخُلَ المَطبَخَ؟ إِنَّ مِشمِشَة مُتَيَقِّظَةٌ دَائِماً، فَمَاذَا نَفعَلُ؟".

فَكَّرَتِ الفِئرَانُ فِي حِيلَةٍ مَاكِرَةٍ، فَأحضَرُوا مِقدَاراً مِنَ البَصَلِ وَعَصَرُوهُ جَيِّداً، ثُمَّ وَضَعُوا فِي ذَلِكَ العَصِيرِ قِطعَةً كَبِيرَةً مِنَ اللَّحمِ الشَّهِيِّ، وَتَرَكُوهَا فِي المَكَانِ الَّذِي تَجلِسُ فِيهِ مِشمِشَة. عِندَمَا جَاءَت مِشمِشَة، جَذَبَتهَا رَائِحَةُ اللَّحمِ القَوِيَّةُ فَأكَلَتهَا كُلَّهَا بِسُرُورٍ. وَلَكِن بَعدَ قَلِيلٍ، شَعَرَت مِشمِشَة بِالنُّعَاسِ الشَّدِيدِ بِسَبَبِ أَثرِ البَصَلِ، فَغَرِقَت فِي نَومٍ عَمِيقٍ. حِينَئِذٍ، دَخَلَتِ الفِئرَانُ المَطبَخَ وَأكَلُوا كُلَّ مَا طَابَ لَهُم مِن طَعَامٍ. وَقَالَ الفَأرُ الشَّقِيُّ بِمَكرٍ: "مَا رَأيُكُم أَن نَضحَكَ عَلَى مِشمِشَة؟"، فَوَافَقَ الجَمِيعُ بِحَمَاسٍ.

أحضَرَ الفَأرُ الشَّقِيُّ عُلبَةً مِن مُرَبَّى الوَردِ الحَمرَاءِ، وَأَمَرَ أَصحَابَهُ أَن يَدِهَنُوا فَروَ مِشمِشَة الأَبيَضَ الجَمِيلَ بِتِلكَ المُرَبَّى. وَعِندَمَا استَيقَظَت مِشمِشَة وَنَظَرَت فِي المِرآةِ، صُدِمَت لِمَا رَأت؛ فَقَد تَحَوَّلَ لَونُ شَعرِهَا النَّاصِعِ إِلَى أَحمَرَ وَردِيٍّ لَزِجٍ. قَالَت فِي نَفسِهَا بِغَضَبٍ: "مَن فَعَلَ هَذَا؟ لَا شَكَّ أَنَّهُم تِلكَ الفِئرَانُ الأَشقِيَاءُ!".

قَرَّرَت مِشمِشَة أَن تَنتَقِمَ لِنَفسِهَا بِذَكَاءٍ، فَأحضَرَت صُندوقاً وَبَالُوناً كَبِيراً، نَفَخَتِ البَالُونَ حَتَّى آخِرِهِ وَوَضَعَتهُ دَاخِلَ الصُّندُوقِ. ثُمَّ قَامَت بِتَغطِيَةِ البَالُونِ بِقِطَعٍ مِنَ الجُبنِ اللَّذِيذِ الَّذِي تَعشَقُهُ الفِئرَانُ، وَوَضَعَتِ الصُّندُوقَ خَلفَ البَابِ وَتَظَاهَرَت بِأَنَّهَا نَائِمَةٌ نَوماً عَمِيقاً. أقبَلَتِ الفِئرَانُ وَرَأوا مِشمِشَة نَائِمَةً فَفَرِحُوا كَثِيراً، وَهَرَعُوا نَحوَ المَطبَخِ.

شَمَّتِ الفِئرَانُ رَائِحَةَ الجُبنِ الزَّكِيَّةِ، فَقَفَزُوا جَمِيعاً دَاخِلَ الصُّندُوقِ لِيَأكُلُوا، حَتَّى امتَلأَ الصُّندُوقُ بِهِم. وَفَجأَةً.. "بُوم!"، انفَجَرَ البَالُونُ بِقُوَّةٍ، فَسَقَطَتِ الفِئرَانُ مَذعُورَةً فِي قَاعِ الصُّندُوقِ. أَسرَعَت مِشمِشَة نَحوَ الصُّندُوقِ وَأَغلَقَت الغِطَاءَ عَلَيهِم بِإِحكَامٍ. شَعَرَت مِشمِشَة بِالفَخَرِ لِانتِصَارِهَا، وَدَعَت صَدِيقَاتِهَا القِطَطَ لِتَنَاوُلِ وَلِيمَةٍ شَهِيَّةٍ.

وَلَكِن، عِندَمَا رَفَعَت مِشمِشَة الغِطَاءَ لِتُري صَدِيقَاتِهَا الفِئرَانَ، كَانَتِ المُفَاجَأَةُ! لَم تَجِد فَأراً وَاحِداً. لَقَد تَمَكَّنَتِ الفِئرَانُ مِنَ الهَرَبِ بَعدَ أَن قَرَضُوا خَشَبَ الصُّندُوقِ بِأَسنَانِهِم القَوِيَّةِ، وَصَنَعُوا ثُقباً صَغِيراً نَفَذُوا مِنهُ جَمِيعاً وَهُم يَجرُونَ هَارِبِينَ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم