جدَّتِي الصَّغِيرَة

 جدَّتِي الصَّغِيرَة

جدَّتِي الصَّغِيرَة

​ذَهَبَتْ أُخْتي جَنات مَعَ أُمِّي إِلى السُّوقِ لِشِراءِ بَعْضِ الحاجِيَاتِ، وَبَقيتُ أَنا وَحْدي في المَنْزِلِ مَعَ جَدَّتي الحَنُونَةِ الَّتي أُحِبُّها كَثيرًا. في البِدایَةِ، قُمْتُ بِنَشاطٍ وَهِمَّةٍ بِتَرْتيبِ غُرْفَتي وَوَضْعِ أَلْعابي في أَماكِنِها، ثُمَّ تَوَجَّهْتُ إِلى مَكْتَبَتي الصَّغيرَةِ وَتَناوَلْتُ قِصَّةً مُشَوِّقَةً كُنْتُ أَرْغَبُ في قِراءَتِها مُنْذُ مُدَّةٍ. وَما أَنْ جَلَسْتُ وَبَدَأْتُ أَقْلِبُ الصَّفَحاتِ الأُولى حَتَّى نادَتْني جَدَّتي بِصَوْتِها الهادِئِ قائِلَةً: "يا حَفيدَتي الصَّغيرَة جُمانَة، أَحْضِري لي كُوبَ مَاءٍ يا صَغيرَتي".

​نَظَرْتُ إِلى جَدَّتي وَقُلْتُ لَها بابتِسامَةٍ: "أَنا لَمْ أَعُدْ صَغيرَةً يا جَدَّتي، لَقَدْ كَبِرْتُ وَأَصْبَحَ عُمْري سَبْعَ سِنينَ!"، وَذَهَبْتُ عَلى الفَوْرِ إِلى المَطْبَخِ، مَلأْتُ الكُوبَ بِالماءِ البارِدِ وَأَحْضَرْتُهُ لَها. وَبَعْدَ أَنْ شَرِبَتْ وَارْتَوَتْ، طَلَبَتْ مِنِّي طَلَبًا آخَرَ وَقالَتْ: "هَلْ يُمْكِنُكِ أَنْ تُغْلِقي النَّافِذَةَ؟ فَإِنَّها تَجْلُبُ هَواءً بارِدًا أَشْعُرُ بِهِ". أَجَبْتُها بِأَدَبٍ: "حاضِرٌ يا جَدَّتي"، وَبِسُرْعَةٍ خَفِيفَةٍ أَغْلَقْتُ النَّافِذَةَ، وَلَمْ أَكْتَفِ بِذَلِكَ بَلْ أَحْضَرْتُ لَها شالَها الزَّهْرِيَّ القُطْنِيَّ وَوَضَعْتُهُ بِرِفْقٍ عَلى كَتِفَيْها لِتَشْعُرَ بِالدِّفْءِ، ثُمَّ عُدْتُ رَكْضًا إِلى غُرْفَتي لِأُتابِعَ قِراءَةَ قِصَّتي.

​لَكِنْ، ما أَنْ أَمْسَكْتُ بِالكِتابِ وَانْدَمَجْتُ في أَحْداثِهِ الَّتي كُنْتُ أَتَشَوَّقُ لِمَعْرِفَتِها، حَتَّى ارْتَفَعَ صَوْتُ جَدَّتي يُناديني مِنْ جَديدٍ: "يا جُمانَة، أُريدُ العَصا الَّتي أَسْتَنِدُ عَلَيْها، أَحْضِريها لي حالًا يا بُنَيَّتي". أَسْرَعْتُ وَأَحْضَرْتُ لَها العَصا، فَأَمْسَكَتْ بِها وَاسْتَنَدَتْ عَلَيْها بِقُوَّةٍ، ثُمَّ انْتَقَلَتْ بِخُطُواتٍ ثَقيلَةٍ إِلى غُرْفَتِها المُجاوِرَةِ لِتَسْتَريحَ. عُدْتُ مَرَّةً أُخْرى لِقِصَّتي لِأَعْرِفَ كَيْفَ سَتَنْتَهي الحِكايَةُ، وَلَكِنْ قَبْلَ أَنْ أَقْرَأَ سَطْرًا واحِدًا، سَمِعْتُها تُناديني لِلْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ: "جُمانَة.. يا حَفيدَتي تَعالَيْ إِلى هُنا".

​في هَذِهِ اللَّحْظَةِ، شَعَرْتُ بِقَليلٍ مِنَ الضَّيِقِ، وَلا أُخْفي عَلَيْكُمْ أَنَّني ذَهَبْتُ إِلَيْها وَأَنا أَهْمِسُ في سِرِّي بَعْضَ كَلِماتِ التَّذَمُّرِ مِثْلَ "أُفٍّ"، وَكُنْتُ أَتَساءَلُ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسي: "مَتى سَتَعُودُ أُمِّي وَأُخْتي جَنات لِتُساعِدانِي في تَلْبِيَةِ طَلَباتِ جَدَّتي الَّتي لا تَنْتَهي؟ لَقَدْ تَعِبْتُ مِنَ النُّهوضِ كُلَّ قَليلٍ، وَيَجِبُ أَلَّا أَبْقى مَعَها وَحْدي في المَرَّةِ القادِمَةِ".

​دَخَلْتُ غُرْفَةَ جَدَّتي بِهُدُوءٍ، فَوَجَدْتُها قَدِ اسْتَلْقَتْ في فِراشِها الوَثيرِ. نَظَرَتْ إِلَيَّ بِعَيْنَيْنِ مَليئَتَيْنِ بِالحُبِّ وَالحَنانِ، وَقالَتْ لي بِصَوْتٍ رَقيقٍ وَضَعيفٍ: "لَيْتَكِ تَجْلِسينَ بِقُرْبي يا جُمانَة حَتَّى أَنامَ، وَتَحْكينَ لي حِكايَةً جَميلَةً مِنْ تِلْكَ القِصَصِ الرَّائِعَةِ الَّتي تَقْرَئِينَها دائمًا".

​في تِلْكَ اللَّحْظَةِ، ذابَ كُلُّ غَضَبي وَتَبَسَّمْتُ مِنْ كُلِّ قَلْبِي. تَذَكَّرْتُ فَجْأَةً كَيْفَ كُنْتُ أَنا وَأَنا صَغيرَةٌ جِدًّا أَرْكُضُ نَحْوَها وَأَرْتَمي عَلى كَتِفِها، وَكَيْفَ كُنْتُ أَرْجُوها أَنْ تَبْقى بِجانِبي. أَدْرَكْتُ أَنَّ جَدَّتي الآنَ تَحْتاجُ لِحَنانِي كَما كُنْتُ أَحْتاجُ لِحَنانِها. جَلَسْتُ بِقُرْبِها بِمُنْتَهى السَّعادَةِ، أَمْسَكْتُ يَدَها الدَّافِئَةَ بِيَدِي الصَّغيرَةِ، وَبَدَأْتُ أَحْكي لَها القِصَّةَ قائلَةً: "كانَ يا ما كانَ في قَديمِ الزَّمانِ..".

إرسال تعليق

أحدث أقدم