جنات والدراجة الجديدة

جنات والدراجة الجديدة

جنات والدراجة الجديدة

أخيرا، وبعد طول انتظار وترقب، تحقق الحلم الكبير الذي لطالما راود خيال الطفلة جنات، فقد وعدها والدها جمال بهدية مميزة إذا نجحت بتفوق، وها هي اليوم تقف مذهولة أمام دراجة وردية زاهية تبرق تحت أشعة الشمس، مزينة بألوان رقيقة تناسب البنات، ولها دولابان فقط. كانت جنات في السابق تركب دراجة صغيرة بثلاثة دواليب، تشعرها بالأمان لكنها لا تمنحها حرية الانطلاق كما يفعل الكبار، ولما كبرت قليلا وتغيرت ملامح طفولتها، تاقت نفسها لتلك الدراجة العادية التي ترى الأولاد والبنات ينطلقون بها في حدائق بنسليمان الجميلة كالريح، فظلت ترجو والدها بلطف وإصرار حتى اشتراها لها وأحضرها إلى فناء المنزل.

عندما حصلت عليها، غمرتها سعادة لا توصف، فسارعت إليها وصعدت فوق المقعد الجلدي المريح، وحاولت مد ساقيها الصغيرتين ليصل إلى الدواسات، لكنها للأسف وجدتها بعيدة قليلا، وكأن الدراجة تخبرها أن الطريق ما زال في بدايته. حارت جنات في أمرها وحزنت قليلا، وظنت أنها لن تتمكن من ركوبها اليوم، حتى جاءت صديقتها نور التي كانت أكبر منها سنا وأكثر خبرة، فربتت على كتفها مشجعة، وأحضرت مفتاحا حديديا وساعدتها في خفض المقعد بحذق حتى تمكنت جنات أخيرا من لمس الدواسات بأطراف أصابعها. في تلك اللحظة، صرخت جنات من الفرح واهتزت قدماها حماسا: "ها قد وصلت! لقد صرت جاهزة للرحلة!".

تقدمت نور وأمسكت بطرف الدراجة ليوازنها، وبدأت تعلمها القواعد الأساسية بهدوء: "اسمعيني جيدا يا بطلة، أمسكي المقود بقوة وتوازن، واضغطي برجلك اليمنى ثم اليسرى بشكل منتظم، والأهم من ذلك، لا تنظري إلى قدميك أبدا، بل انظري إلى الأمام، إلى الطريق الذي ستسلكينه". حاولت جنات في المرة الأولى، وبمجرد أن تركتها نور، ترنحت الدراجة يمينا ويسارا ثم سقطت على العشب الأخضر، لكنها لم تيأس، بل نفضت الغبار عن ثيابها وضحكت. حاولت ثانية، فسارت بضعة أمتار وكادت تنجح، لكن فقدان التوازن جعلها تسقط مرة أخرى تحت أنظار أختها الصغرى جمانة التي كانت تراقبهما بفضول.

في كل محاولة جديدة، كانت جنات تتعلم شيئا جديدا، فمرة تتعلم كيف تتحكم في المكبح، ومرة كيف توجه المقود بدقة، وبفضل الإصرار العظيم والتصميم الذي لا يعرف المستحيل، تمكنت أخيرا من قيادة الدراجة بمفردها لمسافة طويلة، مستمتعة بنسيم بنسليمان العليل وهو يداعب وجهها الصغير. وعندما رآها والدها جمال وأمها مريم، صفقا لها بحرارة تعبيرا عن فخرهما بشجاعتها.

عند حلول المساء، وبعد أن غربت الشمس وتوارت خلف الأفق، عادت جنات إلى المنزل والقلب يتسارع دقاته فرحا، فسألها أبوها جمال الذي كان يراقبها من بعيد بفخر: "هل تعلمت الركوب حقا يا جنات؟". أجابت البنت بسعادة غامرة وعيناها تلمعان: "نعم يا أبي، لقد عرفت سر التوازن! وعندما أكبر أكثر، أنا واثقة أنك ستشتري لي سيارة حقيقية، وسأتقن قيادتها تماما كما أتقنت هواية الدراجة اليوم". ضحك الأب ضحكة دافئة وقال بحنان أبوي: "اكبري يوما بعد يوم يا ابنتي، وتعلمي كل شيء جديد بصبر وكفاح، وعندما تصلين للسن المنال وتصبحين شابة مسؤولة، سأشتريها لك". عانقت جنات والدها بقوة وقالت بنبرة مليئة بالثقة والخيال: "شكرا يا أبي، اليوم دراجة، وغدا سيارة، وبعد غد.. لا تعجب إذا رأيتني أخترع طائرة تجوب الآفاق!".


إرسال تعليق

أحدث أقدم