جَمَولُ يُصَاحِبُ الْقَمَرَ
جَمُولٌ: جَمَلٌ صَغِيرٌ، يُحِبُّ الشَّمْسَ بِنُورِهَا وَدِفْئِهَا. يَصْحُو مِنْ نَوْمِهِ مُبَكِّرًا، يُصَبِّحُ عَلَى صَدِيقَتِهِ الشَّمْسِ، فَتَبْتَسِمُ لَهُ، وَتُدَاعِبُ شَعْرَهُ بِأَشِعَّتِهَا الذَّهَبِيَّةِ. مَسْكَنُ جَمُولٍ وَاسِعٌ بِلَا حَوَائِطَ وَلَا أَسْوَارٍ، فَهُوَ يَسْكُنُ الصَّحْرَاءَ، وَيَعِيشُ فَوْقَ الرِّمَالِ النَّاعِمَةِ. وَيُمْكِنُ لِقَدَمِهِ أَنْ تَغُوصَ فِي الرِّمَالِ فَيَجُسَّهَا، وَيَغْرِسَهَا بِنَفْسِهِ مَرَّةً وَيَشُدَّهَا ثَانِيَةً؛ إِنَّهَا لُعْبَةٌ مُسَلِّيَةٌ جِدًّا!
كَانَ جَمُولٌ يَجْرِي هُنَا وَهُنَاكَ، لَكِنَّهُ لَا يَبْتَعِدُ كَثِيرًا عَنِ الْمَجْمُوعَةِ، فَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ تَغْضَبَ أُمُّهُ عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْمَكَانَ جَيْدًا. وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، خَرَجَ جَمُولٌ يَلْعَبُ كَعَادَتِهِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مَشْغُولَةً تُطْعِمُ أَخَاهُ الْأَصْغَرَ "عَسَلَ". فَجْأَةً، شَاهَدَ سِبَاقًا بَيْنَ الْجِمَالِ الْكَبِيرَةِ، فَأَعْجَبَتْهُ سُرْعَتُهَا وَرَشَاقَتُهَا، وَتَمَنَّى لَوْ كَانَ مَعَهَا، فَمَشَى وَرَاءَهَا.
لَقَدِ ابْتَعَدَ جَمُولٌ عَنْ أُمِّهِ كَثِيرًا. وَفِي نِهَايَةِ النَّهَارِ، ذَهَبَتِ الشَّمْسُ وَغَابَتْ عَنِ السَّمَاءِ. نَظَرَ جَمُولٌ حَوْلَهُ يَبْحَثُ عَنِ الشَّمْسِ فَلَمْ يَجِدْهَا، وَحَلَّ الظَّلَامُ الدَّامِسُ، فَلَمْ يَعُدْ جَمُولٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى شَيْئًا. بَكَى جَمُولٌ مِنْ شِدَّةِ خَوْفِهِ؛ فَهَذِهِ هِيَ الْمَرَّةُ الْأُولَى الَّتِي يَتْرُكُ فِيهَا أُمَّهُ. كَمَا أَنَّ صَدِيقَتَهُ الشَّمْسَ ذَهَبَتْ وَتَرَكَتْهُ وَحِيدًا، فَعَلَا صَوْتُهُ بَاكِيًا: "أَيْنَ ذَهَبْتِ يَا شَمْسُ؟! لَنْ أَسْتَطِيعَ الْعَوْدَةَ فِي الظَّلَامِ". لَكِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَرُدَّ، فَقَدِ اخْتَفَتْ وَرَاءَ السَّحَابِ، فَقَالَ جَمُولٌ وَهُوَ حَزِينٌ: "كُنْتِ سَتُنِيرِينَ لِي الطَّرِيقَ يَا شَمْسُ".
فَجْأَةً، ظَهَرَ فِي السَّمَاءِ نُورٌ مُسْتَدِيرٌ فِضِّيُّ اللَّوْنِ، فَأَضَاءَ الصَّحْرَاءَ مِنْ حَوْلِهِ. فَرِحَ جَمُولٌ كَثِيرًا، فَالْآنَ اسْتَطَاعَ أَنْ يَرَى الْمَكَانَ. سَأَلَ جَمُولٌ هَذَا الضَّوْءَ: "مَنْ أَنْتَ؟ هَلْ أَنْتَ شَمْسٌ فِضِّيَّةٌ صِغِيرَةٌ؟!". أَجَابَ الضَّوْءُ: "أَنَا الْقَمَرُ، أُضِيءُ اللَّيْلَ". فَقَالَ جَمُولٌ: "وَلِمَاذَا لَمْ أَرَكَ مِنْ قَبْلُ؟". أَجَابَ الْقَمَرُ: "لِأَنَّكَ تَنَامُ كُلَّ يَوْمٍ بَاكِرًا، وَأَنَا أَطْلَعُ فِي وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ. لَقَدْ تَأَخَّرْتَ الْيَوْمَ عَنْ مَوْعِدِ نَوْمِكَ يَا جَمُولُ، هَيَّا لِأَصْحَبَكَ إِلَى أُمِّكَ، إِنَّهَا قَلِقَةٌ عَلَيْكَ".
مَشَى جَمُولٌ وَهُوَ فَرِحٌ، ثُمَّ سَأَلَ الْقَمَرَ: "مَا هَذِهِ الْكُوَرُ الْمُضِيئَةُ فِي السَّمَاءِ؟ هَلْ هِيَ بَنَاتُكَ يَا قَمَرُ؟". ابْتَسَمَ الْقَمَرُ وَقَالَ: "إِنَّهَا نُجُومُ السَّمَاءِ تَتَلَأْلأُ بِالضِّيَاءِ، كَانَتْ تُنِيرُ الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ الْمَصَابِيحُ". امْتَلأَ جَمُولٌ سَعَادَةً وَقَالَ: "أَنْتَ طَيِّبٌ يَا قَمَرُ، هَلْ يُمْكِنُنَا أَنْ نُصْبِحَ صَدِيقَيْنِ؟". رَدَّ الْقَمَرُ: "يُسْعِدُنِي ذَلِكَ". نَظَرَ جَمُولٌ إِلَى الْقَمَرِ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ: "أَنْتَ رَائِعٌ يَا قَمَرُ، وَعَيْنَايَ لَا تُتْعِبَانِي وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْكَ، أَنَا سَعِيدٌ بِكَ". فَرِحَ جَمُولٌ لِأَنَّهُ سَيَعُودُ ثَانِيَةً إِلَى أُمِّهِ، وَلَنْ تَسْخَرَ مِنْهُ الْجِمَالُ الْأُخْرَى.
صَحِبَ الْقَمَرُ صَدِيقَهُ جَمُولًا، وَحَكَى لَهُ حِكَايَاتٍ جَمِيلَةً. فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، كَانَتْ أُمُّ جَمُولٍ تَبْحَثُ عَنْ وَلَدِهَا، وَلَكَمْ فَرِحَتْ لَمَّا رَأَتْ صَغِيرَهَا يَسِيرُ مَعَ الْقَمَرِ، فَرَاحَتْ تَضُمُّهُ إِلَى صَدْرِهَا. اعْتَذَرَ جَمُولٌ إِلَى أُمِّهِ، وَحَكَى لَهَا قِصَّتَهُ مَعَ الْقَمَرِ وَمَا جَرَى مَعَهُ. ضَحِكَ جَمُولٌ قَائِلًا: "الْآنَ أَصْبَحَ لِي صَدِيقَانِ؛ أَلْعَبُ مَعَ الشَّمْسِ فِي النَّهَارِ، وَأَلْعَبُ مَعَ الْقَمَرِ فِي اللَّيْلِ".
وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، صَحِبَتْ أُمُّ جَمُولٍ وَلَدَهَا، وَرَاحَا يَسِيرَانِ مَعًا فِي جَوْلَةٍ بِالْمَكَانِ. انْتَبَهَ جَمُولٌ جَيِّدًا لِلْمَكَانِ مِنْ حَوْلِهِ، وَاسْتَمَعَ لِحَدِيثِ أُمِّهِ، وَصَارَ يَعْرِفُ كَيْفَ يَعُودُ إِلَيْهَا إِنِ ابْتَعَدَ عَنْ مَكَانِهِ مَرَّةً ثَانِيَةً.