قنفود وَ أَرْنُوب

 قنفود وَ أَرْنُوب

قنفود وَ أَرْنُوب

كَانَ يَا مَا كَانَ، فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ، حَيْثُ تَلْتَفُّ الْأَشْجَارُ الْعِمْلَاقَةُ وَتَتَرَاقَصُ الْأَزْهَارُ الْمُلَوَّنَةُ، كَانَتْ هُنَاكَ غَابَةٌ هَادِئَةٌ تَسْكُنُهَا كَائِنَاتٌ شَتَّى. وَفِي تِلْكَ الْغَابَةِ، عَاشَ أَرْنَبٌ شَابٌّ يُدْعَى "أَرْنُوب"، كَانَ يَمْتَلِكُ سَاقَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ وَقُدْرَةً مُّذْهِلَةً عَلَى الرَّكْضِ كَالرِّيحِ. لَكِنَّ أَرْنُوباً، لِلْأَسَفِ، كَانَ مَغْرُوراً جِدّاً بِمَوْهِبَتِهِ، فَلَا يَمُرُّ بِحَيَوَانٍ إِلَّا وَسَخِرَ مِنْ بُطْئِهِ، وَلَا يَرَى صَدِيقاً إِلَّا وَتَفَاخَرَ أَمَامَهُ بِأَنَّهُ الْأَسْرَعُ عَلَى الْإِطْلَاقِ.

وَفِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنَ الْحَقْلِ الْكَبِيرِ، كَانَ يَعِيشُ الْقُنْفُذُ الْحَكِيمُ "قَنْفُود". كَانَ قَنْفُودُ قُنْفُذًا هَادِئًا، طَيِّبَ الْقَلْبِ، يَمْشِي بِتُؤَدَةٍ وَيَقْضِي يَوْمَهُ فِي جَمْعِ الثِّمَارِ وَالِاعْتِنَاءِ بِمَنْزِلِهِ الصَّغِيرِ تَحْتَ شُجَيْرَةِ الْوَرْدِ. لَمْ يَكُنْ قَنْفُودُ يَأْبَهُ لِسُخْرِيَةِ الْآخَرِينَ، فَقَدْ كَانَ يُؤْمِنُ أَنَّ لِكُلِّ خَلْقٍ مِيزَةً تَخُصُّهُ.

فِي صَبَاحِ يَوْمٍ مُشْمِسٍ، بَيْنَمَا كَانَ قَنْفُودُ يَتَمَشَّى لِاسْتِنْشَاقِ الْهَوَاءِ النَّقِيِّ، اعْتَرَضَ طَرِيقَهُ أَرْنُوبٌ بِقَفْزَةٍ عَالِيَةٍ، ثُمَّ انْفَجَرَ ضَاحِكاً وَهُوَ يَقُولُ: "انْظُرُوا مَنْ هُنَا! إِنَّهُ قَنْفُودُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى سَاعَةٍ كَامِلَةٍ لِيَقْطَعَ خُطْوَةً وَاحِدَةً! أَلَا تَشْعُرُ بِالْمَلَلِ مِنْ بُطْئِكَ هَذَا يَا قَنْفُودُ؟ أَنَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَطُوفَ الْغَابَةَ كُلَّهَا بَيْنَمَا أَنْتَ لَا تَزَالُ تَبْحَثُ عَنْ حِذَائِكَ!"

ابْتَسَمَ قَنْفُودُ بِهُدُوءٍ، وَنَظَرَ إِلَى أَرْنُوبٍ بِعَيْنَيْنِ ثَاقِبَتَيْنِ وَقَالَ: "يَا بُنَيَّ، السُّرْعَةُ لَيْسَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فَالْعَقْلُ قَدْ يَسْبِقُ الْأَقْدَامَ أَحْيَانًا. مَا رَأْيُكَ أَنْ نَتَسَابَقَ غَدًا عِنْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ؟ سَنَبْدَأُ مِنْ هُنَا، وَمَنْ يَصِلُ إِلَى شَجَرَةِ الْبَلُّوطِ الْكَبِيرَةِ فِي نِهَايَةِ الْحَقْلِ الطَّوِيلِ يَكُونُ هُوَ الْفَائِزَ."

كَادَ أَرْنُوبٌ أَنْ يَسْقُطَ عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الضَّحِكِ، وَقَالَ بَيْنَ قَهْقَهَاتِهِ: "قُنْفُذٌ يُسَابِقُ أَرْنَبًا؟ هَذِهِ نُكْتَةُ الْعَامِ! حَسَنًا، أَنَا مُوَافِقٌ، لِأُثْبِتَ لَكَ وَلِلْجَمِيعِ أَنَّكَ لَا تَفْقَهُ شَيْئًا فِي السِّبَاقِ."

عَادَ قَنْفُودُ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَلَمْ يَكُنْ خَائِفًا، بَلْ كَانَ يُفَكِّرُ بِذَكَاءٍ. جَمَعَ أَبْنَاءَ عُمُومَتِهِ وَإِخْوَتَهُ مِنَ الْقَنَافِذِ الَّذِينَ يُشْبِهُونَهُ تَمَامًا حَتَّى لَا يَكادَ أَحَدٌ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ. هَمَسَ لَهُمْ بِخُطَّتِهِ الْبَارِعَةِ، فَوَزَّعَهُمْ عَلَى طُولِ طَرِيقِ السِّبَاقِ، بِحَيْثُ يَخْتَبِئُ كُلُّ قُنْفُذٍ فِي حُفْرَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ خَلْفَ صَخْرَةٍ، وَيَبْقَى قَنْفُودُ نَفْسُهُ عِنْدَ خَطِّ النِّهَايَةِ.

فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ، اجْتَمَعَتِ الْحَيَوَانَاتُ لِمُشَاهَدَةِ السِّبَاقِ الْعَجِيبِ. وَقَفَ أَرْنُوبٌ بِثِقَةٍ زَائِدَةٍ، وَوَقَفَ بﺠَانِبِهِ أَحَدُ أَقْرِبَاءِ قَنْفُودٍ (الَّذِي ظَنَّهُ أَرْنُوبُ قَنْفُوداً نَفْسَهُ). عِنْدَمَا أَعْطَى الْغُرَابُ إِشَارَةَ الْبَدْءِ، انْطَلَقَ أَرْنُوبٌ كَالسَّهْمِ الْمُتَفَجِّرِ، مُخَلِّفًا وَرَاءَهُ غُبَارًا كَثِيفًا.

بَعْدَ مَسَافَةٍ قَصِيرَةٍ، نَظَرَ أَرْنُوبٌ خَلْفَهُ وَصَاحَ مُسْتَهْزِئًا: "أَيْنَ أَنْتَ يَا قَنْفُودُ؟ هَلْ تَعِبْتَ مِنْ خُطْوَتِكَ الْأُولَى؟" لَكِنَّهُ ذُهِلَ حِينَ جَاءَهُ الرَّدُّ مِنْ أَمَامِهِ! فَقَدْ خَرَجَ قُنْفُذٌ مِنْ بَيْنِ الْأَعْشَابِ وَقَالَ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ: "أَنَا هُنَا يَا أَرْنُوبُ، أَنَا أَمَامَكَ، هَيَّا أَسْرِعْ أَكْثَرَ!"

جُنَّ جُنُونُ أَرْنُوبٍ، وَزَادَ مِنْ سُرْعَتِهِ حَتَّى كَادَتْ أَنْفَاسُهُ تَنْقَطِعُ. وَكُلَّمَا وَصَلَ إِلَى مَحَطَّةٍ وَنَادَى سَاخِراً، خَرَجَ لَهُ قُنْفُذٌ آخَرُ يَقُولُ لَهُ: "مَا بَالُكَ بَطِيءٌ هَكَذَا يَا أَرْنُوبُ؟ أَنَا أَسْبِقُكَ بِمَسَافَةٍ!"

اسْتَمَرَّ الْأَمْرُ هَكَذَا، وَأَرْنُوبٌ يَرْكُضُ وَيَرْكُضُ، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِشِدَّةٍ، وَالْعَرَقُ يَتَصَبَّبُ مِنْ جَبِينِهِ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى آخِرِ السِّبَاقِ وَهُوَ مُنْهَكٌ تَمَامًا. وَيَا لَلْمُفَاجَأَةِ! وَجَدَ قَنْفُوداً يَجْلِسُ بِارْتِيَاحٍ عِنْدَ شَجَرَةِ الْبَلُّوطِ، يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِمِنْدِيلٍ وَيَقُولُ: "لَقَدْ تَأَخَّرْتَ كَثِيرًا يَا صَدِيقِي، كُنْتُ بَانْتِظَارِكَ مُنْذُ مُدَّةٍ!"

سَقَطَ أَرْنُوبٌ عَلَى الْأَرْضِ لَا يَقْوَى عَلَى الْحَرَاكِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ غُرُورَهُ هُوَ الَّذِي هَزَمَهُ قَبْلَ أَقْدَامِهِ. نَظَرَ إِلَى قَنْفُودٍ بِاحْتِرَامٍ شَدِيدٍ وَقَالَ: "سَامِحْنِي يَا قَنْفُودُ، لَقَدْ تَعَلَّمْتُ الدَّرْسَ جَيِّدًا. لَيْسَ الذَّكِيُّ مَنْ يَمْلِكُ الْقُوَّةَ فَقَطْ، بَلْ مَنْ يَعْرِفُ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُ عَقْلَهُ لِيَصِلَ إِلَى هَدَفِهِ."

وَمِنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، صَارَ أَرْنُوبٌ أَكْثَرَ تَوَاضُعاً، وَأَصْبَحَ قَنْفُودُ أَعَزَّ أَصْدِقَائِهِ، يَمْشِيَانِ مَعاً فِي الْغَابَةِ، فَيُخَفِّفُ أَرْنُوبُ مِنْ سُرْعَتِهِ احْتِرَاماً لِلْحَكِيمِ، وَيُعَلِّمُ قَنْفُودُ صَدِيقَهُ الصَّغِيرَ أَنَّ فِي التَّأَنِّي السَّلَامَةَ، وَفِي الْعَقْلِ مَفَاتِيحُ النَّجَاحِ.

القيم والدروس


  1. الذكاء أقوى من القوة: يمكن للعقل الذكي أن يتغلب على أقوى الخصوم، حتى لو كان سريعًا.

  2. نبذ الغرور: الغرور والثقة الزائدة بالنفس قد يمنعاننا من رؤية الحقيقة ويجعلاننا نخسر.

  3. أهمية التعاون: العمل الجماعي يمكن أن يحل المشكلات الكبيرة ويجلب النصر.

  4. التواضع: يجب أن نكون متواضعين، وأن نتعلم من الآخرين، حتى لو كنا أسرع أو أقوى منهم.

أسئلة الفهم

  1. ما هي الصفة التي كان يفتخر بها الأرنب "أرنوب"؟

  2. ماذا قال القنفذ "عم عمار" لـ"أرنوب" عندما واجهه؟

  3. ما هي الحيلة التي استخدمها "عم عمار" للفوز بالسباق؟

  4. لماذا لم يستطع الأرنب "أرنوب" أن يفوز بالسباق؟

  5. ما هو الدرس الذي تعلمه الأرنب "أرنوب" في نهاية القصة؟

أسئلة التفكير

  1. هل تعتقد أن "عم عمار" كان سيفوز بالسباق لو لم يساعده أصدقاؤه؟

  2. كيف يمكن أن يكون التفكير السليم أهم من السرعة في حياتنا اليومية؟

  3. هل تعتقد أن الأرنب "أرنوب" كان على حق في غروره؟ ولماذا؟

التطبيق العملي

  1. فكر في مشكلة واجهتك. كيف يمكنك أن تستخدم ذكاءك لحلها بدلاً من الغضب أو السرعة؟

  2. اذكر موقفًا تعاونت فيه مع أصدقائك أو أفراد عائلتك لإنجاز مهمة صعبة.

  3. كيف يمكننا أن نُظهر التواضع للآخرين ونقدر مواهبهم المختلفة؟


المحتوى التفاعلي

أنشطة ممتعة

  1. نشاط الرسم: اطلب من الطفل أن يرسم "عم عمار" وهو يبتسم بفخر، بينما يرفع يديه للفوز، والأرنب "أرنوب" يجلس على الأرض وهو يشعر بالندم.

  2. نشاط التمثيل: يمكن للأطفال تمثيل حوار القنفذ الحكيم والأرنب المغرور، ومشهد السباق.

  3. لعبة "سباق الأذكياء": يمكن للطفل أن يلعب لعبة بسيطة، حيث يقوم بالهروب من "خصم" وهمي، ولكنه يجب أن يفكر بذكاء ليجد طريقة للهروب.

إرسال تعليق

أحدث أقدم