جنات والحمار الوفي
في يومٍ من أيام الشتاءِ الشَّدِيدِ البُرُودَة، جلست « جنات » في بيتها تتأمَّلُ من وَرَاءِ زُجاج النافذة الجليد الذي يتساقط فَيُغَطَّى الأرض وكأنه بساطٌ ناصعُ البياض. وبينما كانت « جنات » تستمتع بالدفء والأمان داخل بيتها الهادئ الجميل، سمعت فجأة طرَقاتٍ خفيفةً وهادئة على الباب. أسرعت « جنات » لفتح الباب لترى مَن الطارق في هذه الساعة المتأخرة من الليل، ففوجئت بحمارٍ صغيرٍ يقفُ وحيدًا أمام عتبة بيتها.
ظنت « جنات » في بادئ الأمر أن هذا الحمار الصغير قد ضلَّ طريقه وسط العواصف الثلجية، وأنه يبحثُ فقط عن مكانٍ دافئ يحتمى فيه من البرد القارس الذي يجمّد الأطراف. كان الحمار المسكين يرتعش بشدة من شدة الصقيع، فأسرعت « جنات » بمرافقته نحو الإسطبل لتقدم له الطعام والتدفئة. لكن الحمار فعل أمرًا مدهشًا؛ فقد رفض أن يتبعها إلى الداخل، بل بدأ يدفعها برأسه للسير في اتجاهٍ معاكس، وكأنه يريد أن يقودها إلى مكانٍ معين ليريها شيئًا هامًا.
وثقت « جنات » في ذكاء الحمار وسارت معه في الطريق الذي أراد أن يسلكه. قطعا معًا مسافةً طويلةً وشاقة وسط الثلوج، حتى وصلا إلى قمة تلٍ صغير، وهنا توقف الحمار عن السير تمامًا. نظرت « جنات » حولها بتمعن، فرأت أسفل التل مشهدًا محزنًا؛ طفلاً صغيرًا ممددًا فوق الجليد ولا يقوى على الحركة.
أمسكت « جنات » بلجام الحمار واستدارت بحذر استعدادًا للهبوط نحو أسفل التل. كانت تمشي ببطءٍ شديد وهي في غاية الحذر، خوفًا من أن ينزلق الحمارُ على الجليد فيصاب أحدهما بأذى. وبعد قليل، وصلت « جنات » والحمار إلى المكان الذي سقط فيه الطفل، وكان المسكين يئنُ من شدة الألم. استمعت « جنات » إلى الطفل وهو يروي لها ما حدث؛
فقد فاجأهما الجليد وهما في طريق العودة إلى قريتهما، فانزلقت قدم الحمار وسقط الطفل عن ظهره وأصيبت قدمه إصابةً بالغةً منعته من النهوض. لكن الحمار الوفي أدرك خطورة الموقف، فأسرع فورًا للبحث عن مساعدةٍ لإنقاذ صاحبه.
ساعدت « جنات » الطفل الشجاع على النهوض ليركب فوق ظهر الحمار، وذهبت بهما إلى طبيب القرية. وبعد أن كشف عليه الطبيب، وجد أن في قدمه اليمنى كسرًا، وبدأ في إجراء الإسعافات اللازمة له. فكرت « جنات » أن تأخذ الحمار إلى منزلها لتوفر له الغذاء والدفء حتى ينتهي الطبيب من علاج الطفل، لكن الحمار رفض أن يترك صديقه وصمم على البقاء بجواره حتى يطمئن عليه ويعودا معًا إلى قريتهما.
تأثرت « جنات » كثيرًا بهذا الوفاء النادر، وقررت أن تنتظر مع الحمار بجانب الطفل. وعندما انتهى الطبيب من عمله وكان الوقت قد تأخر والبرد يزداد قسوة، دعت « جنات » الطفل وحماره لقضاء الليلة في بيتها. قبل الطفل الدعوة بامتنان، وفي صباح اليوم التالي اطمأنت « جنات » على سلامته، فشكرها الطفل على كرم ضيافتها وحسن تصرفها. ونظرت « جنات » إلى الحمار بتقدير، وقامت مع الطفل بضمه عرفانًا بذكائه ووفائه العظيم.
