جنات وجمانة وكريات الألوان
في مدينة ساحرة تدعى مدينة الألوان، حيث كل شيء يزهو بألوان قوس قزح البراقة، كانت تعيش طفلة صغيرة تدعى جنات. كانت جنات تحب اللعب كثيراً، وخاصة بمجوهرات أختها الكبرى غادة؛ فكانت تقضي الساعات وهي تضع أقراط اللؤلؤ البيضاء في أذنيها، وتتزين بخاتم الياقوتة الزرقاء، وتضع فوق رأسها تاجاً ذهبياً يلمع تحت ضوء الشمس. لكن أكثر ما كان يسلب لب جنات هو عقد الخرز الملون الذي تملكه غادة، فقد كانت تحلم دوماً بأن تمتلك عقداً مثله يزين عنقها.
ولجنات صديقة وفية وذكية جداً تدعى جمانة، كانت لا تفارقها أبداً وتشاركها كل ألعابها ومغامراتها في أرجاء المدينة الملونة. ومن أكثر الأماكن التي تحب الصديقتان قضاء الوقت فيها هو شاطئ الألوان؛ حيث الرمال ليست صفراء فحسب، بل هي مزيج من كل الألوان، وكانت الفتاتان تركضان بحيوية وتبنيان قصوراً رملية غاية في الجمال. وكانت لعبتهما المفضلة هي الوقوف أمام البحر ومراقبة الأمواج الملونة القادمة نحو الشاطئ، فكانتا تنشدان معاً: "أمواج بحرنا بهذه الألوان... الأزرق والأصفر والأخضر والأحمر... النيلي والبنفسجي والبرتقالي... تمت سبعة أمواج بسبعة ألوان".
في أحد الأيام المشمسة، وبينما كانت جنات وجمانة تحفران في الرمال بحماس، اصطدمت أيديهما بشيء صلب. لقد كان صندوقاً خشبياً جميلاً مزيناً بأصداف بحرية ملونة نادرة. فتحتا الصندوق بحذر شديد، فصعقتا من جمال ما رأتا؛ كانت هناك سبع كريات زجاجية صغيرة، كل واحدة منها تضيء بلون مختلف من ألوان قوس قزح السبعة. قفزت جمانة من الفرح وقالت: "ما رأيك يا جنات أن نلعب بهذه الكريات لعبة البلي؟". لكن جنات، التي تملكها حب التملك، أصرت على تقسيم الكريات بدلاً من التشارك في اللعب بها.
قامت جنات، التي كانت بارعة في الحساب، بتقسيم الكريات وقالت: "إذا أخذت كل واحدة منا ثلاث كريات، فسيبقى لدينا كرية واحدة زائدة، فمن سيأخذها؟". اقترحت جمانة الذكية حلاً وقالت: "تأخذ إحدانا الكرية المتبقية، وتحتفظ الأخرى بالصندوق الجميل". وافقت جنات بسرعة، لكنها اختارت لنفسها الكريات البرتقالية والبنفسجية والنيليّة والخضراء لأنها ألوانها المفضلة، وتركت لجمانة الكريات الحمراء والصفراء والزرقاء مع الصندوق. ومن شدة لهفتها، انطلقت جنات نحو منزلها راكضة دون أن تودع صديقتها جمانة.
عندما وصلت جنات إلى بيتها، حاولت فوراً صنع عقد من الكريات التي أخذتها، لكنها اكتشفت بمرارة أن أربع كريات لا تكفي لصنع عقد رائع مثل عقد أختها غادة. وبدلاً من أن تفكر في مشاركة جمانة، بدأ الطمع يتسلل إلى قلبها، وفكرت في حيلة تأخذ بها بقية الكريات من صديقتها. في اليوم التالي، طلبت جنات من جمانة التسابق نحو الصخرة البنفسجية في أعلى التلة، واتفقتا أن الفائز سيحصل على كل كريات الخاسر.
بدأ السباق، وفي لحظة غفلة من جمانة، سلكت جنات طريقاً مختصراً سرياً عبر ممر فقاعات الهواء الملونة، وركبت فقاعة زرقاء طارت بها لتصل إلى القمة قبل جمانة. وهكذا فازت جنات بالمكر والخداع، وأخذت كريات جمانة الثلاث. ولكن، بمجرد أن لمست يد جنات الكريات التي أخذتها بالخداع، انطفأ نورها فجأة وتحولت إلى اللون الأسود القاتم. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل بدأت الألوان تختفي من كل مدينة الألوان تدريجياً، حتى غاب قوس قزح وأصبحت المدينة كلها سوداء وحزينة، وساد الخوف والقلق بين الناس.
قالت جمانة بحزن: "أعتقد أن اختفاء الألوان مرتبط بهذه الكريات". هنا لم تستطع جنات تمالك نفسها، وانفجرت بالبكاء معترفة بكل ما فعلته من غش وخداع قائلة: "أنا نادمة جداً، لقد كنت طماعة، وأنا السبب في ضياع الألوان". احتضنتها جمانة بقلب طيب وقالت: "لا تبكِ يا صديقتي، اعترافك بالخطأ دليل على قوتك وطيبتك، المهم الآن هو كيف نعيد الألوان؟". تذكرت جمانة كلام والديها بأن كل ألوان المدينة تأتي من قلب الغابة المظلمة.
قررت الصديقتان الانطلاق نحو الغابة بكل شجاعة. كانتا تمشيان بحذر بين الأشجار العالية، وفجأة سمعتا حركة في الأعشاب فصرختا رعباً: "النجدة!". فخرج لهما أرنب صغير، لكن لونه كان أسود بسبب اختفاء الألوان، وقال لهما: "توقفا عن الصراخ، أنا أرنوب، ماذا تفعلان هنا؟". قصت الصديقتان له الحكاية، فقرر أرنوب مساعدتهما وأخذهما إلى أعماق الغابة.
وصل الجميع إلى شجرة عملاقة مذهلة تسمى شجرة القلب البيضاء، لها سبعة أغصان ضخمة تلتف على شكل قلب كبير، وأخبرهم أرنوب بحزن أن هذه الشجرة هي مصدر الألوان لكنها أصبحت سوداء الآن. وفجأة، شعرت جنات بحرارة في جيبها، وتوهجت الكريات السوداء بنور ساطع وخرجت من جيبها لتطير في الهواء، وتوزعت كل كرية على غصن من أغصان الشجرة السبعة.
في تلك اللحظة، انفجر ضوء أبيض شديد غطى المكان، وما إن اختفى الضوء حتى عادت الألوان لتجري في أغصان الشجرة، ومنها انتشرت إلى كل الغابة والمدينة. عاد لون أرنوب إلى الأبيض الناصع، ونبتت له أجنحة ملونة بألوان قوس قزح طار بها في السماء فرحاً. غمرت السعادة قلب جنات وجمانة، وتعلمت جنات درساً لن تنساه أبداً؛ وهو أن الطمع والخداع يفسدان كل شيء جميل، وأن الصداقة والمشاركة هما الكنز الحقيقي الذي ينير القلوب.
