جحا على الباب
عَادَ جُحَا يَوْمًا إِلَى بَيْتِهِ، فَوَجَدَ زَوْجَتَهُ تَقُومُ بِتَجْهِيزِ أَفْخَرِ مَلَابِسِهَا وَتَضَعُ زِينَتَهَا. تَعَجَّبَ جُحَا وَسَأَلَهَا عَنِ المُنَاسَبَةِ السَّعِيدَةِ الَّتِي تَجْعَلُهَا تَهْتَمُّ بِمَظْهَرِهَا كُلَّ هَذَا الِاهْتِمَامِ ، فَأَخْبَرَتْهُ الزَّوْجَةُ أَنَّ اليَوْمَ هُوَ حَفْلُ زِفَافِ إِحْدَى صَدِيقَاتِهَا، وَأَنَّهَا قَدْ أَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ مُنْذُ أَيَّامٍ لَكِنَّهُ نَسِيَ. تذكَّرَ جُحَا الأَمْرَ وَسَمَحَ لَهَا بِالذَّهَابِ، لَكِنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَيْهَا أَنْ تَعُودَ قَبْلَ مِيعَادِ صَلَاةِ العِشَاءِ وَأَلَّا تَتَأَخَّرَ أَبَدًا.
ذَهَبَتِ الزَّوْجَةُ إِلَى الحَفْلِ وَهِيَ فِي كَامِلِ أَنَاقَتِهَا، لَكِنَّ الوَقْتَ سَرَقَهَا وَتَأَخَّرَتْ هُنَاكَ كَثِيرًا حَتَّى جَاءَ مُنْتَصَفُ اللَّيْلِ. وَعِنْدَمَا عَادَتْ إِلَى مَنْزِلِهَا، وَجَدَتِ البَابَ مُغْلَقًا بِإِحْكَامٍ. أَخَذَتْ تُنَادِي جُحَا لِيَفْتَحَ لَهَا، وَكَرَّرَتِ النِّدَاءَ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً، لَكِنَّ جُحَا قَرَّرَ أَنْ يُعَاقِبَهَا عَلَى تَأَخُّرِهَا، فَظَلَّ صَامِتًا دَاخِلَ البَيْتِ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهَا.
أَدْرَكَتِ الزَّوْجَةُ أَنَّ جُحَا يُعَاقِبُهَا، فَفَكَّرَتْ فِي حِيلَةٍ ذَكِيَّةٍ لِتَجْعَلَهُ يَفْتَحُ البَابَ. بَدَأَتْ تَطْرُقُ البَابَ بِقُوَّةٍ وَتَصْرُخُ قَائِلَةً: "افْتَحْ يَا جُحَا، وَإِلَّا سَأُوقِعُكَ فِي مُصِيبَةٍ كَبِيرَةٍ تَنْدَمُ عَلَيْهَا طَوَالَ عُمْرِكَ!". لَمْ يَلْتَفِتْ جُحَا لِتَهْدِيدِهَا، فَزَادَتْ فِي حِيلَتِهَا وَقَالَتْ لَهُ إِنَّهَا سَتُلْقِي بِنَفْسِهَا مِنْ فَوْقِ السُّلَّمِ وَتَدَّعِي أَنَّهُ هُوَ مَنْ دَفَعَهَا.
وَبَعْدَ لَحَظَاتٍ، سَمِعَ جُحَا صَوْتَ ارْتِطَامٍ قَوِيٍّ وَضَجَّةً فِي الخَارِجِ، فَخَافَ وَظَنَّ أَنَّ زَوْجَتَهُ قَدْ نَفَّذَتْ تَهْدِيدَهَا فِعْلًا. أَسْرَعَ جُحَا بِفَتْحِ البَابِ وَرَكِضَ نَحْوَ السُّلَّمِ لِيُنْقِذَهَا، لَكِنَّهُ عِنْدَمَا وَصَلَ إِلَى آخِرِ الدَّرَجِ، وَجَدَ حَجَرًا كَبِيرًا هُوَ مَنْ أَحْدَثَ ذَلِكَ الصَّوْتَ. فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، فَهِمَ جُحَا أَنَّ زَوْجَتَهُ قَدْ خَدَعَتْهُ، فَأَسْرَعَ بِالصُّعُودِ لِيَعُودَ إِلَى دَاخِلِ الشَّقَّةِ.
لَكِنَّ الزَّوْجَةَ كَانَتْ أَسْرَعَ مِنْهُ، فَقَدْ دَخَلَتِ المَنْزِلَ وَأَغْلَقَتِ البَابَ خَلْفَهَا. وَقَفَ جُحَا خَارِجًا وَبَدَأَ يَطْرُقُ البَابَ وَيَتَوَسَّلُ إِلَيْهَا أَنْ تَفْتَحَ لَهُ، قَائِلًا إِنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّهَا بِالدَّاخِلِ وَأَنَّهُ سَامَحَهَا عَلَى مَا فَعَلَتْ. لَمْ تَرُدَّ الزَّوْجَةُ، فَغَضِبَ جُحَا وَبَدَأَ يَصِيحُ وَيُهَدِّدُ بِتَحْطِيمِ البَابِ فَوْقَ رَأْسِهَا.
حِينَهَا بَدَأَتِ الزَّوْجَةُ تَصْرُخُ مِنْ خَلْفِ البَابِ بِأَعْلَى صَوْتِهَا لِيَسْمَعَهَا النَّاسُ: "يَا جِيرَانِي، الْحَقُونِي! جُحَا يَعُودُ كُلَّ لَيْلَةٍ بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ بَعْدَ أَنْ يَقْضِيَ وَقْتَهُ مَعَ رُفَقَاءِ السُّوءِ، ثُمَّ يَأْتِي لِيُوقِظَنِي مِنَ النَّوْمِ وَيَضْرِبَنِي!". أُصِيبَ جُحَا بِالذُّعْرِ وَقَالَ لَهَا: "يَا مَجْنُونَةُ، اصْمُتِي! النَّاسُ سَيَسْتَيْقِظُونَ، وَأَنْتِ تَعْلَمِينَ أَنِّي بَرِيءٌ!".
لَكِنَّ الزَّوْجَةَ لَمْ تَتَوَقَّفْ، بَلْ زَادَتْ فِي صُرَاخِهَا قَائِلَةً إِنَّهُ يُحَطِّمُ المَنْزِلَ. هَرَعَ الجِيرَانُ مِن كُلِّ مَكَانٍ، فَوَجَدُوا جُحَا وَاقِفًا أَمَامَ بَابِهِ المُّغْلَقِ وَهُوَ فِي حَالَةٍ صَعْبَةٍ، يَتَصَبَّبُ عَرَقًا مِنَ الخَجَلِ. بَدَأَ الجِيرَانُ يَلُومُونَهُ قَائِلِينَ: "كَيْفَ تَفْعَلُ هَذَا بِزَوْجَتِكَ وَأَنْتَ رَجُلٌ كَبِيرٌ وَقَدْ نَالَ الشَّيْبُ مِنْكَ؟".
لَمْ يَجِدْ جُحَا مَفَرًّا مِنَ الِاعْتِذَارِ، فَقَالَ لَهُمْ بِأَسَفٍ: "إِنِّي آسِفٌ حَقًّا يَا جِيرَانِي، فَالخَطَأُ خَطَئِي، وَصَدَقَ المَثَلُ الَّذِي يَقُولُ: مَنْ خَرَجَ مِنْ دَارِهِ قَلَّ مِقْدَارُهُ".