جُحَا وَاللِّصُّ وَالْحِمَارُ الضَّاحِكُ
لِجُحَا حِمَارٌ غَرِيبُ الأَطْوَارِ يَحْكِي عَنْهُ النَّاسُ كَثِيرًا مِنَ الطَّرَائِفِ وَالأَخْبَارِ، الَّتِي كَانَتِ الْعَجَائِزُ وَالأُمَّهَاتُ تَحْكِيهَا لِلأَطْفَالِ الصِّغَارِ، وَلَا سِيَّمَا فِي لَيَالِي الشِّتَاءِ التَّلْجِيَّةِ وَالْمَطِيرَةِ. وَمِنْ طَرَائِفِ مَا يُحْكَى عَنْ جُحَا وَحِمَارِهِ، أَنَّ جُحَا كَانَ يُشَاطِرُ حِمَارَهُ الأَتْعَابَ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَمَا تُوَاجِهُهُ الصِّعَابُ، فَكَانَ يَحْمِلُ عَنْ حِمَارِهِ الأَثْقَالَ وَيُضَاحِكُهُ كَمَا يَفْعَلُ مَعَ الرِّجَالِ.
وَذَاتَ يَوْمٍ، بَيْنَمَا كَانَ يَسِيرُ مَعَ حِمَارِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ إِلَى السُّوقِ، كَانَ لِصٌّ يَتْبَعُهُ يُرِيدُ أَنْ يَفْتِكَ مِنْهُ الْحِمَارَ لِيَبِيعَهُ فِي هَذَا النَّهَارِ. فَكَّرَ اللِّصُّ فِيمَا سَيَفْعَلُهُ مَعَ جُحَا، وَكَيْفَ يَفْتِكُ مِنْهُ الْحِمَارَ؟ فَهَلْ يَخْطَفُهُ مِنْهُ فِي غَفْلَةٍ مِنْهُ؟ أَمْ هُنَاكَ طَرِيقَةٌ أُخْرَى؟ وَفَجْأَةً فَرِحَ اللِّصُّ بَعْدَ أَنْ اهْتَدَى إِلَى حِيلَةٍ؛ فَقَدْ شَاهَدَ اللِّصُّ جُحَا يَحْمِلُ أَثْقَالَ الْحِمَارِ وَيَجُرُّهُ بِحَبْلٍ، فَتَقَدَّمَ اللِّصُّ وَخَلَعَ الْحَبْلَ مِنْ رَقَبَةِ الْحِمَارِ، وَوَضَعَهُ فِي رَقَبَتِهِ هُوَ وَأَخَذَ يَسِيرُ وَرَاءَهُ.
وَبَعْدَ مُدَّةٍ تَوَقَّفَ اللِّصُّ، فَأَخَذَ جُحَا يَجْذِبُهُ إِلَيْهِ، لَكِنَّ اللِّصَّ لَمْ يَتَقَدَّمْ، فَالْتَفَتَ جُحَا خَلْفَهُ لِيَعْرِفَ أَنَّهُ يَجُرُّ رَجُلًا، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ اللِّصُّ: أَنَا حِمَارُكَ. قَالَ جُحَا: وَأَيْنَ هُمَا أُذُنَاكَ وَذَيْلُكَ؟ قَالَ اللِّصُّ: لَقَدِ اخْتَفَتْ بَعْدَ أَنْ تَحَوَّلْتُ إِلَى رَجُلٍ. فَقَالَ جُحَا: وَمَا سَبَبُ ذَلِكَ؟ أَجَابَهُ اللِّصُّ: لَقَدْ كُنْتُ سَيِّئَ السِّيرَةِ وَأَعْصِي أُمِّي وَأَضْرِبُهَا، فَلَمَّا دَعَتْ عَلَيَّ مَسَخَنِي اللهُ حِمَارًا. وَإِنِّي نَدِمْتُ عَلَى عِصْيَانِي لأُمِّي بَعْدَ أَنْ تَذَكَّرْتُ تِلْكَ الأُغْنِيَةَ الَّتِي كَانَتْ تُغَنِّيهَا لِي أُمِّي وَأَنَا صَغِيرٌ إِذْ كَانَتْ تَقُولُ: "يَا سَمِيرِي يَا صَغِيرِي يَا سَمِيرِي، أَرْضَعْتُكَ مِنْ صَدْرِي، وَأَجْلَسْتُكَ عَلَى حِجْرِي، وَوَهَبْتُكَ عُمْرِي".
فَأَخَذَ جُحَا يَبْكِي مُتَأَثِّرًا بِهَذِهِ الأُغْنِيَةِ، ثُمَّ أَخَذَ يَخْتَنِقُ وَهُوَ يَمْسَحُ دُمُوعَهُ وَيُرَدِّدُ الأُغْنِيَةَ مَعَ اللِّصِّ. تَقَدَّمَ مِنْهُ اللِّصُّ وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يُسْكِتَهُ، وَأَخَذَ يُؤَكِّدُ لَهُ بِأَنَّهُ لَا يَعُودُ إِلَى ضَرْبِ أُمِّهِ أَوْ عِصْيَانِهَا. ثُمَّ أَطْلَقَ جُحَا سَرَاحَهُ وَأَخَذَ يُوصِيهِ: كُنْ عَاقِلًا، مُحِبًّا لأُمِّكَ، مُطِيعًا لَهَا، عَامِلًا بِنَصَائِحِهَا، وَإِذَا غَلَبَكَ الشَّيْطَانُ وَضَعُفَ فِي صَدْرِكَ الإِيمَانُ، فَغَنِّ أُغْنِيَةَ أُمِّكَ لِيَرِقَّ قَلْبُكَ. ثُمَّ عَانَقَهُ وَأَطْلَقَ سَرَاحَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
تَوَجَّهَ جُحَا إِلَى السُّوقِ لِيَشْتَرِيَ حِمَارًا آخَرَ لأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعِيشَ دُونَهُ، وَهُوَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ دَاعِيًا اللهَ أَنْ يُوَفِّقَهُ إِلَى حِمَارٍ لَمْ يَعْصِ أُمَّهُ كَهَذَا الْحِمَارِ. أَمَّا اللِّصُّ فَقَدْ عَادَ إِلَى الْحِمَارِ الْحَقِيقِيِّ، وَأَخَذَهُ إِلَى السُّوقِ لِيَبِيعَهُ. وَبَيْنَمَا كَانَ جُحَا يَدُورُ فِي سُوقِ الْحَمِيرِ، إِذَا بِهِ يُصَادِفُ حِمَارَهُ فَعَرَفَهُ. فَتَقَدَّمَ مِنْهُ وَهَمَسَ فِي أُذُنِهِ وَهُوَ يَقُولُ: "هَلْ غَلَبَكَ الشَّيْطَانُ وَضَعُفَ فِي قَلْبِكَ الإِيمَانُ أَيُّهَا اللَّعِينُ؟ هَلْ غَضِبَتْ عَلَيْكَ أُمُّكَ وَدَعَتْ عَلَيْكَ فَمَسَخَكَ اللهُ حِمَارًا؟ إِنِّي وَاللهِ لَنْ أَشْتَرِيَكَ أَبَدًا".
فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَأَخَذُوا يَسْتَغْرِبُونَ، وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ أَنْ سَمِعُوهُ يَقُولُ: "لَقَدْ أَوْصَيْتُكَ أَنْ لَا تَعْصِيَ أُمَّكَ أَيُّهَا اللَّعِينُ". لَكِنَّ جُحَا لَمْ يَهْتَمَّ بِضَحِكِ النَّاسِ، فَأَخَذَ يَقُولُ: "لَقَدْ قُلْتُ كُنْ عَاقِلًا وَالْعَنِ الشَّيْطَانَ، وَحَاوِلْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَنْ تَتَذَكَّرَ أُغْنِيَةَ أُمِّكَ لِيَرِقَّ قَلْبُكَ". ثُمَّ تَقَدَّمَ جُحَا مِنْ حِمَارِهِ وَهُوَ يَقُولُ: "هَيَّا نُغَنِّ مَعًا، سَأُرَدِّدُهَا مَعَكَ"، وَرَفَعَ صَوْتَهُ يُغَنِّي: "يَا سَمِيرِي يَا صَغِيرِي يَا سَمِيرِي، أَرْضَعْتُكَ مِنْ صَدْرِي، وَأَجْلَسْتُكَ فِي حِجْرِي، وَوَهَبْتُكَ عُمْرِي".
وَأَخَذَ يَجْذِبُ حِمَارَهُ مِنْ أُذُنَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: "غَنِّ كَيْ لَا يُسَيْطِرَ عَلَيْكَ الشَّيْطَانُ وَيَمْلأَ قَلْبَكَ بِالنِّسْيَانِ". فَرَفَعَ الْحِمَارُ رَأْسَهُ نَحْوَ صَاحِبِهِ وَنَهَقَ، لَكِنَّ جُحَا اسْتَمَرَّ يَجْذِبُهُ مِنْ أُذُنَيْهِ وَيُطَالِبُهُ بِالْغِنَاءِ. فَضَحِكَ النَّاسُ وَفَتَحَ الْحِمَارُ شَفَتَيْهِ وَأَخَذَ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ مُبْرِزًا أَسْنَانَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: "إِنَّهُ يَضْحَكُ". فَضَرَبَهُ جُحَا وَهُوَ يَقُولُ: "غَنِّ يَا حِمَارُ"، فَرَفَعَ الْحِمَارُ أَحَدَ أَرْجُلِهِ إِلَى جُحَا وَأَخَذَ يُشِيرُ إِلَيْهِ وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: "أَنْتَ الْحِمَارُ".
ثُمَّ انْصَرَفَ جُحَا لِيَشْتَرِيَ حِمَارًا آخَرَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَا يُنَاسِبُهُ فَعَادَ إِلَى بَيْتِهِ، وَكَذَلِكَ اللِّصُّ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَبِيعَ الْحِمَارَ فَعَادَ إِلَى بَيْتِهِ. وَفِي الصَّبَاحِ، شَعَرَ جُحَا أَنَّ أَحَدًا يَدْفَعُ بَابَهُ، فَفَتَحَهُ لِيَجِدَ حِمَارَهُ وَاقِفًا أَمَامَهُ. لَكِنَّ جُحَا وَقَفَ فِي وَجْهِهِ وَهُوَ يَقُولُ: "هَلْ غَضِبَتْ عَلَيْكَ أُمُّكَ مَرَّةً أُخْرَى؟" وَأَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ، فَمَدَّ الْحِمَارُ رَقَبَتَهُ إِلَى جُحَا وَجَذَبَهُ بِأَسْنَانِهِ إِلَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِحَافِرِهِ وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: "ارْجِعْ إِلَى عَقْلِكَ وَعُدْ إِلَى رُشْدِكَ". عِنْدَهَا جَلَسَ جُحَا مُفَكِّرًا وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى لِحْيَتِهِ.
