جحا القاضي
كَانَ جُحَا يَعْمَلُ قَاضِيًا فِي بَلْدَتِهِ، أَسْرَعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، وَقَالَ لَهُ بَاكِيًا: أَيُرْضِيكَ أَيُّهَا الْقَاضِي أَنْ تَقْتُلَ بَقَرَةُ الْحَاكِمِ بَقَرَةَ فَلَاحٍ فَقِيرٍ؟ قَالَ جُحَا: كَيْفَ وَقَعَ هَذَا الحَدَثُ الْجَلَلُ؟ أَيُعْقَلُ أَنْ تَقْتُلَ بَقَرَةُ الْحَاكِمِ بَقَرَةَ أَحَدِ أَفْرَادِ الشَّعْبِ ظُلْمًا، وَعُدْوَانًا؟
قَالَ الرَّجُلُ: يَا سَيِّدِي الْقَاضِي لَقَدْ تَسَلَّلَتْ بَقَرَةُ الْحَاكِمِ إِلَى حَقْلِنَا، وَقَتَلَتْ بَقَرَتِي الْوَحِيدَةَ الضَّعِيفَةَ، بِقَرْنَيْهَا. وَيُمْكِنُكَ أَنْ تُعَايِنَ الْحَادِثَ بِنَفْسِكَ، فَإِنَّ بَقَرَتِي مَا زَالَتْ هُنَاكَ عَلَى الْأَرْضِ.
قَالَ جُحَا: لَيْسَ مِنْ حَقِّكَ أَنْ تُقَاضِيَ الْحَاكِم، أَيُّهَا الرَّجُلُ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَعْرِفُ كَيْفَ يُؤَدِّبُ أَبْصَارَهُ. لَابُدَّ أَنَّ بَقَرَتَكَ هِيَ الَّتِي قَتَلَتْ نَفْسَهَا.
قَالَ الرَّجُلُ: يَا سَيِّدِي الْقَاضِي إِنَّ الْحَاكِم يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَوِّضَنِي عَمَّا أَصَابَنِي إِذَا حَكَمْتَ لِي بِمَا أَسْتَحِقُّ مِنْ تَعْرِيض. قَالَ جُحَا: إِنَّكَ تَعْتَقِدُ هَذَا، وَلَكِنَّكَ لَا تَعْرِفُ الْحَاكِمَ، كَمَا أُعْرِفُهُ أَنَا. فَدَعْوَاكَ هَذِهِ عَلَى غَيْرِ حَقٌّ أَرْضَ بِمَا أَصَابَكَ.
قَالَ الرَّجُلُ: يَا سَيِّدِي الْقَاضِي، إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ، وَأَرْجُو أَنْ تُعِيدَ النَّظَرَ فِي قَضِيَّتِي هَذِهِ ضِدَّ الْحَاكِمِ، وَبَقَرَتِهِ، وَإِلا ذَهَبْتُ بِنَفْسِي إِلَى الْحَاكِم.
قَالَ جُحَا: حَسَنٌ، أَيُّهَا الرَّجُلُ. أَيْنَا عْتَدَتْ بَقَرَةُ الْحَاكِمِ عَلَى بَقَرَتِكَ؟ قَالَ الرَّجُلُ: فِي الْحَقْلِ. قَالَ جُحَا: لَوْ لَمْ تَكُنْ بَقَرَتُكَ فِي الْحَقْلِ مَا اعْتَدَتْ عَلَيْهَا بَقَرَةُ الْحَاكِم..
قَالَ الرَّجُلُ فِي دَهْشَةٍ: لَكِنَّ بَقَرَتِي لَمْ تَفْعَلْ شَيْئًا لَهَا. قَالَ جُحَا: لَوْلَا وُجُودُهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ مَا حَدَثَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَأَرَاكَ مَسْئُولًا عَنْ هَذَا، وَلَا بُدَّ أَنْ تَدْفَعَ تَعْوِيضًا.
قَالَ الرَّجُلُ: أَأَدْفَعُ تَعْوِيضًا عَلَى مَوْتِ بَقَرَتِي؟ قَالَ جُحَا: لَقَدْ تَحَمَّلَتْ بَقَرَةُ الْحَاكِمِ مَشَقَّةَ الطَّرِيقِ، وَمُصَارَعَةَ بَقَرَتِكَ؛ حَتَّى اسْتَطَاعَتْ أَنْ تُجْهِزَ عَلَيْهَا، وَلَابُدَّ أَنَّ الْحَاكِمَ الْآنَ يَبْحَثُ عَنِ الْفَاعِلِ الْآنَ.
خَافَ الرَّجُلُ، وَأَدْرَكَ خَطَرَ مَا هُوَ مُقْدِمٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ الْحَاكِمُ حَقًّا يَبْحَثُ عَنْهُ، فَإِنَّ مُقَاضَاتَهُ سَتَزِيدُ عِقَابَهُ، وَلَابُدَّ أَنَّ جُحَا يَعْلَمُ طِبَاعَ الْحَاكِمِ جَيِّدًا. ثُمَّ قَالَ: حَسَنًا لَقَدْ تَذَكَّرْتُ الآنَ يَا سَيِّدِي الْقَاضِي حَقِيقَةَ الْمُشْكِلَةِ كَيْفَ لَمْ يَخْطُرْ لِي ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ؟
قَالَ جُحَا: وَمَا الْحَقِيقَةُ أَيُّهَا الرَّجُلُ؟ قَالَ الرَّجُلُ: إِنَّ بَقَرَتِي - عَلَيْهَا اللَّعْنَةُ!! - هِيَ الَّتِي تَطَاوَلَتْ عَلَى بَقَرَةِ الْحَاكِمِ، فَقَدْ أَخْبَرْتُهَا أَنَّ صَاحِبَهَا رَجُلٌ ظَالِمٌ. ضَحِكَ جُحَا، وَقَالَ: هَذَا يَا رَجُلُ هُوَ السَّبَبُ. قَالَ الرَّجُلُ: نَعَمْ، فَاقْتَرَبَتْ مِنْهَا بَقَرَةُ الْحَاكِمِ، وَدَاعَبَتْهَا، بِأَنْ شَقَّتْ بَطْنَهَا بِقَرْنَيْهَا. فَقَتَلَتْ بَقَرَتِي الْمُذْنِبَةَ، فَهِيَ الْجَانِيَةُ عَلَى نَفْسِهَا.
قَالَ جُحَا: فَهِمْتُ فَهِمْتُ أَيُّهَا الرَّجُلُ انْصَرِفِ الْآنَ، وَلَا تُخْبِرْ أَحَدًا بِذَلِكَ؛ لِأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ سَيْفَ الْحَاكِمِ أَقْطَعُ مِنْ حُجَّتِكَ.