جحا وقربة الماء
في صباح يوم جميل، خرج جحا من بيته وهو يشعر بنشاط كبير، فقد قرر السفر إلى بلدة مجاورة لبلدته. وللوصول إلى هناك، كان عليه أن يقطع طريقاً طويلاً يمر عبر الصحراء الواسعة. وقف جحا في بداية الطريق وهو يحمل طعامه وشرابه، وظل ينتظر طويلاً لعله يجد وسيلة مواصلات تنقله بسرعة بدلاً من المشي الذي يستغرق ساعات طويلة تحت الشمس.
ولكن، مرت الدقائق والساعات ولم تأتِ أي وسيلة، فقرر جحا أن يعتمد على قدميه ويبدأ رحلته مشياً. وبعد مسافة، شعر جحا بالجوع، فبحث عن ظل شجرة وجلس تحتها ليأكل ويشرب حتى ارتاح قليلاً. ثم أكمل طريقه، لكن الشمس كانت قد أصبحت شديدة الحرارة، وبسبب العطش الشديد، شرب جحا كل ما لديه من ماء، وبقي معه الطعام فقط.
بدأ جحا يشعر بالظمأ الشديد، وأخذ يبحث بلهفة في كل اتجاه عن أي مصدر للماء، وبعد جهد وتعب، لمح من بعيد خيمة لأحد الأعراب. أسرع جحا نحو الخيمة وسأل الرجل الذي يسكنها عن الماء. كان هذا الأعرابي رجلاً بخيلاً، فأراد أن يصعب الأمر على جحا وقال له إن بئر الماء بعيدة جداً، وأشار بيده إلى جهة بعيدة. سأله جحا: "ألا يوجد في خيمتك قليل من الماء؟".
أجاب الأعرابي بأن لديه "قربة ماء"، فعرض عليه جحا أن يشتريها. هنا بدأ الأعرابي البخيل يساوم جحا؛ ففي البداية عرض جحا درهماً واحداً، لكن الأعرابي رفض. ثم عرض درهمين، فثلاثة، ثم أربعة، والأعرابي يطمع في المزيد، حتى وافق أخيراً على بيعها مقابل خمسة دراهم كاملة.
دفع جحا الدراهم وأخذ القربة، ولكنه أراد أن يلقن الأعرابي درساً في الكرم. قال جحا للأعرابي: "معي طعام لذيذ ودسم جداً، ولا أحتاج إليه الآن، فهل تريده بلا مقابل؟". طمع الأعرابي ووافق بسرعة، وبدأ يأكل الطعام بشراهة كبيرة وجحا يراقبه بصمت.
بسبب دسامة الطعام وكثرته، شعر الأعرابي فجأة بعطش شديد يحرق حلقه، فطلب من جحا أن يعطيه شربة ماء. هنا ضحك جحا وقال له: "شربة الماء الواحدة بخمسة دراهم، فما رأيك؟". غضب الأعرابي وقال: "لقد بعتك القربة كلها بخمسة دراهم، وتريد الآن ثمن الشربة الواحدة خمسة دراهم؟!".
رد عليه جحا بحكمة: "الكريم يُكرم، وأنت لم تكن كريماً معي". ثم حمل جحا قربته واستعد للرحيل، فما كان من الأعرابي الذي كاد يقتله العطش إلا أن وافق مضطراً ودفع الخمسة دراهم مقابل شربة الماء. وهكذا، استعاد جحا نقوده بذكائه، وتابع طريقه ومعه ما يكفيه من الماء حتى وصل إلى وجهته بسلام.