جحا وحميره
تُرْوَى عَنْ جُحَا حِكَايَاتٌ كَثِيرَةٌ، تُصَوِّرُهُ ذَكِيًّا جِدًّا أَحْيَانًا، وَمُغَفَّلاً جِدًّا أَحْيَانًا أُخْرَى. فَهَلْ تُرِيدُ قَارِئِي الذَّكِيِّ أَنْ تَعْرِفَ شَيْئًا عَنْ غَبَاءِ جُحَا؟ اِقْرَأْ مَعِي هَذِهِ الْحِكَايَةَ إِذَنْ!
يَبْدُو أَنَّ جُحَا لَمْ يَسْتَطِعْ مُتَابَعَةً دِرَاسَتِهِ بِنَجَاحِ، لِذَلِكَ قَرَّرَ أَبُوهُ أَنْ يَفْصِلَهُ عَنِ الْمَدْرَسَةِ. فَقَالَ لَهُ: اسْمَعْ يَا جُحَا لَقَدْ طَالَتْ فَتْرَةُ دِرَاسَتِكَ، نَجَحَ زُمَلَاتُكَ وَانْتَقَلُوا إِلَى الْمَرَاتِبِ الْعُلْيَا وَبَقِيتَ أَنْتَ كُلَّ عَامٍ فِي مَرْتَبَةِ وَاحِدَة، عَلَيْكَ إِذَنْ أَنْ تَتَوَقَّفَ عَنِ الدِّرَاسَةِ، وَتَعْمَلَ عَمَلاً آخَرَ يَنْفَعُكَ.
بَلَغَ الأَبُ رِيقَهُ (مَاءَ الْفَمِ) وَهُوَ يَتَحَسَّرُ مِنْ حَالَةِ ابْنِهِ وَقَالَ لَهُ : لَمْ تَرُدَّ عَلَى اقْتَرَاحِي فَمَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَعْمَلَ ؟ قَالَ جُحَا: حَسَنًا يَا أَبِي لَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَحَدَّثَكَ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ مِنْ قَبْلُ وَكُنْتُ خِفْتُ أَنْ تَتَّهِمَنِي بِالإِهْمَالِ. أَوَدُّ أَنْ أَعْمَلَ فِي التَّجَارَةِ، أَشْتَرِي جَحَاشًا صَغِيرَةً أُرَبِّيهَا، وَإِذَا كَبُرَتْ بِعْتُهَا وَرَبِحْتُ بِذَلِكَ نُقُودًا كَثِيرَةً.
قَالَ الأَبُ : لِيَكُنْ مَا يَكُونُ، جَهِّرْ نَفْسَكَ إِذَنْ لِتَذْهَبَ إِلَى السُّوقِ وَتَشْتَرِي مَا تَشَاءُ! - أَلَمْ تُفَكِّرُ إِلَّا فِي تِجَارَةِ الْحَمِيرِ يَا وَلَدِي ؟! قَالَ جُحَا: الْحَمِيرُ يَا أَبِي حَيَوَانَاتٌ عَاقِلَةٌ، كَثِيرَةَ الصَّبْرِ لِهَذَا تُسْتَعْمَلُ بِكَثْرَةِ عِنْدَ الْفَلَاحِينَ وَالْقَرَوِيِّينَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا أَدْرِي لِمَاذَا يَحْتَقَرُهَا النَّاسُ؟.
وَفِي الْغَدِ، بَكَّرَ جُحَا (ذَهَبَ مُبَكِّرًا) إِلَى السُّوقِ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ وَيَعُودَ، تَأَمَّلَ الْحَمِيرَ، وَالْحِجَاشَ الَّتِي كَانَتْ مَعْرُوضَةً، أَعْجَبَتْهُ كَثِيرًا الآذَانُ الطَّوِيلَةُ وَالْعُيُونُ الْوَاسِعَةُ وَرَاحَ يَتَأَمَّلُ الْكَثِيرَ مِنْهَا وَيُنَاقِشُ أَصْحَابَهَا فِي السِّعْرِ الْمَعْرُوضِ.
وَفِي النِّهَايَةِ اشْتَرَى عَشَرَةَ حِجَاشٍ وَعَادَ بِهَا إِلَى الْمَزْرَعَةِ، وَلأَنَّ التَّعَبَ نَالَهُ مَنَالاً كَبِيرًا اخْتَارَ مِنْ بَيْنِ الْحِجَاشِ وَاحِدًا أَكْبَرَ مِنْهَا جَمِيعًا فَرَكَبَهُ وَسَاقَ الْبَاقِي أَمَامَهُ. كَانَ جُحَا فَرَحًا بِمَالِهِ، فَرَاحَ يُغَنِّي، بَدَا لَهُ أَنْ يَعُدَّ الْحَمِيرَ الصَّغِيرَةَ: وَاحِدٌ... اثْنَانِ ... ثَلَاثَةٌ ... أَرْبَعَةٌ ... خَمْسَةٌ ... سِتَّةٌ ... سَبْعَةٌ ... ثَمَانِيَةٌ ... تِسْعَةٌ ... آه، لَقَدْ ضَاعَ وَاحِدٌ مِنْهَا.
وَمِنْ شِدَّةِ الدَّهْشَةِ نَزَلَ جُحَا لِيَعُدَّ حَمِيرَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً فَوَجَدَهَا عَشَرَةً، اطْمَأَنَّ جُحَا عَلَى حَمِيرِهِ، ثُمَّ رَكِبَ ثَانِيَةً .... وَفِي الطَّرِيقِ أَرَادَ مَرَّةً أُخْرَى أَنْ يَعُدَّهَا فَوَجَدَ تِسْعَةً.... ثُمَّ نَزَلَ عَنْ جَحْشِهِ وَعَدَّهَا ثَانِيَةً فَوَجَدَهَا عَشَرَةً، فَقَالَ لِنَفْسِهِ: أَمْشِي فَتُصْبِحُ عَشَرَةً، خَيْرٌ مِنْ أَنْ أَرْكَبَ فَتَصِيرَ تِسْعَةً !