المهر الشارِد

الْمُهْرُ الشَّارِدُ

المهر الشارِد

فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ، كَانَتْ هُنَاكَ قَبِيلَةٌ هَادِئَةٌ تَعِيشُ فِي أَرْضٍ خَضْرَاءَ تَجْرِي فِيهَا جَدَاوِلُ الْمِيَاهِ الْعَذْبَةِ، وَتَنْتَشِرُ فِيهَا آبَارٌ كَثِيرَةٌ. وَكَانَ يَحْكُمُ هَذِهِ الْقَبِيلَةَ رَجُلٌ صَالِحٌ، طَيِّبُ الْقَلْبِ، يَمِيلُ إِلَى السِّلْمِ وَيَكْرَهُ الْعُنْفَ وَالدِّمَاءَ، لَكِنَّ طِيبَتَهُ هَذِهِ جَعَلَتْ قَبِيلَتَهُ مَطْمَعًا لِلْآخَرِينَ. فَالْقَبَائِلُ الْمُجَاوِرَةُ كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى خَيْرَاتِ أَرْضِهِمْ بِعَيْنِ الْحَسَدِ، وَلَا يَمُرُّ عَامٌ وَاحِدٌ دُونَ أَنْ تَتَعَرَّضَ الْقَبِيلَةُ لِغَزْوٍ أَوْ اعْتِدَاءٍ سَلَبَ مِنْهُمْ أَمَانَهُمْ.

وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ، تَقَدَّمَ فَارِسُ الْقَبِيلَةِ الشُّجَاعُ وَالْهُمَامُ بِاقْتِرَاحٍ ذَكِيٍّ لِلْحَاكِمِ، حَيْثُ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَجْمَعَ شَبَابَ الْقَبِيلَةِ لِيُدَرِّبَهُمْ بِنَفْسِهِ عَلَى فُنُونِ الْقِتَالِ وَرُكُوبِ الْخَيْلِ وَاسْتِخْدَامِ السَّيْفِ. كَانَ هَدَفُهُ أَنْ يَصْنَعَ نَوَاةً لِجَيْشٍ قَوِيٍّ يَكُونُ دِرْعًا لِلْقَبِيلَةِ يَحْمِيهَا مِنْ كُلِّ طَامِعٍ. وَافَقَ الْحَاكِمُ بَعْدَ أَنْ رَأَى الدِّمَاءَ الَّتِي سَالَتْ مِنْ أَبْنَاءِ شَعْبِهِ بِسَبَبِ الِاعْتِدَاءَاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ. وَبِفَضْلِ هَذَا التَّدْرِيبِ، صَارَ لِلْقَبِيلَةِ جَيْشٌ مَهِيبٌ، وَفِي أَوَّلِ مَعْرَكَةٍ دِفَاعِيَّةٍ، انْتَصَرَ الْفُرْسَانُ وَأَسَرُوا الْغُزَاةَ، فَصَارَتْ لِلْقَبِيلَةِ هَيْبَةٌ وَمَكَانَةٌ عَظِيمَةٌ، وَازْدَادَ حُبُّ الْحَاكِمِ لِفَارِسِهِ الَّذِي كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالْحِكْمَةِ.

كَانَ لِهَذَا الْفَارِسِ الْبَطَلِ ابْنٌ صَغِيرٌ فِي الْعَاشِرَةِ مِنْ عُمُرِهِ، كَانَ مَاهِرًا جِدًّا فِي رُكُوبِ الْخَيْلِ وَالْمُبَارَزَةِ رَغْمَ صِغَرِ سِنِّهِ، إِلَّا أَنَّ عَيْبَهُ الْوَحِيدَ كَانَ التَّسَرُّعَ الشَّدِيدَ. كَانَ دَائِمًا يُرِيدُ أَنْ يَسْبَقَ الْأَحْدَاثَ وَيَتَفَوَّقَ عَلَى مَنْ هُمْ أَكْبَرُ مِنْهُ، لِذَلِكَ لَقَّبَهُ النَّاسُ بِـ "الْمُهْرِ الشَّارِدِ". وَعِنْدَمَا كَبُرَ وَصَارَ شَابًّا قَوِيًّا، انْضَمَّ إِلَى جَيْشِ وَالِدِهِ، وَوَعَدَهُ الْحَاكِمُ بِأَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ الْجَمِيلَةَ تَقْدِيرًا لِبُطُولَةِ وَالِدِهِ.

لَكِنَّ الْأَقْدَارَ كَانَتْ تُخَبِّئُ اخْتِبَارًا صَعْبًا، فَقَدْ نَشَبَتْ مَعْرَكَةٌ جَدِيدَةٌ دَافَعَ فِيهَا الْفَارِسُ الْهُمَامُ بِكُلِّ قُوَّتِهِ حَتَّى قُتِلَ فِي سَبِيلِ قَبِيلَتِهِ. حَزِنَ الْجَمِيعُ، وَأَرَادَ الْفُرْسَانُ تَنْصِيبَ ابْنِهِ "الْمُهْرِ الشَّارِدِ" قَائِدًا لَهُمْ، لَكِنَّ الْحَاكِمَ رَفَضَ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِتَهَوُّرِ الشَّابِّ، وَاخْتَارَ بَدَلًا مِنْهُ فَارِسًا حَكِيمًا. غَضِبَ الْمُهْرُ الشَّارِدُ وَاقْتَرَحَ هُجُومًا سَرِيعًا عَلَى الْقَبِيلَةِ الَّتِي قَتَلَتْ أَبَاهُ، وَرَغْمَ طَلَبِ الْقَائِدِ الْجَدِيدِ لِلْمُهْلَةِ، إِلَّا أَنَّ تَسَرُّعَ الْمُهْرِ الشَّارِدِ دَفَعَهُمْ لِلْهُجُومِ دُونَ اسْتِعْدَادٍ كَافٍ.

كَانَتِ النَّتِيجَةُ قَاسِيَةً، فَقَدْ كَانَ الْعَدُوُّ مُسْتَعِدًّا، وَبَيْنَمَا كَانَ الْفُرْسَانُ يُقَاتِلُونَ بَعِيدًا، أَرْسَلَ الْعَدُوُّ مَجْمُوعَةً أُخْرَى لِلْهُجُومِ عَلَى قَبِيلَتِهِمُ الْأَصْلِيَّةِ. عَادَ الْمُهْرُ الشَّارِدُ لِيَجِدَ الدَّمَارَ قَدْ حَلَّ بِبَيْتِهِ، وَالْأَسْوَأُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ خَطِيبَتَهُ ابْنَةَ الْحَاكِمِ قَدْ تَمَّ أَسْرُهَا. وَحِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْطَلِقَ مُتَهَوِّرًا مَرَّةً أُخْرَى، صَرَخَ فِيهِ الْحَاكِمُ بِقُوَّةٍ، طَالِبًا مِنْهُ أَنْ يَنْزِلَ عَنْ جَوَادِهِ، مُوَبِّخًا إِيَّاهُ عَلَى تَسَرُّعِهِ الَّذِي كَادَ يَقْضِي عَلَى كُلِّ مَا بَنَاهُ وَالِدُهُ الْحَكِيمُ.

شَعَرَ الْمُهْرُ الشَّارِدُ بِالْخَجَلِ وَالنَّدَمِ الْعَمِيقِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ الْقُوَّةَ دُونَ عَقْلٍ لَا تَنْفَعُ. فَدَخَلَ عَلَى الْحَاكِمِ بِهُدُوءٍ وَاعْتَذَرَ لَهُ، وَوَعَدَهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ "مُهْرٍ شَارِدٍ" إِلَى "مُهْرٍ رَاشِدٍ" يَعْمَلُ بِعَقْلِهِ قَبْلَ سَيْفِهِ. ثُمَّ قَدَّمَ خِطَّةً ذَكِيَّةً تَقُومُ عَلَى أَسْرِ ابْنِ شَيْخِ الْقَبِيلَةِ الْمُعْتَدِيَةِ لِمُقَايَضَتِهِ بِابْنَةِ الْحَاكِمِ، لِيَكُونَ الصُّلْحُ نَاتِجًا عَنْ قُوَّةٍ وَاحْتِرَامٍ لَا عَنْ ضَعْفٍ. نَجَحَتِ الْخِطَّةُ بِدِقَّةٍ، وَعَادَتِ ابْنَةُ الْحَاكِمِ سَالِمَةً، وَتَمَّ عَقْدُ الصُّلْحِ، وَأَصْبَحَ الْمُهْرُ الرَّاشِدُ قَائِدًا حَكِيمًا وَشُجَاعًا يَقُودُ قَبِيلَتَهُ نَحْوَ بَرِّ الْأَمَانِ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم