جحا والمرآة
في قديم الزمان وفي إحدى البلاد البعيدة، كان يعيش رجل ثريٌّ جدًّا، أنعم الله عليه بالمال الكثير والرزق الوفير. لكن هذا الثري كان يعاني من عيبٍ كبير، فقد كان بخيلاً للغاية، لا يمد يد العون للفقراء ولا يعطف على المحتاجين. وبسبب بخله الشديد، ابتعد الناس عنه وتجنبوا التعامل معه، فأصبح يعيش وحيدًا في قصره الكبير، يملأ قلبه الحزن بالرغم من كل الأموال التي يكنزها ويحبها.
وفي يوم من الأيام، وصل جحا إلى تلك البلاد في زيارة عابرة، وعرف من أهلها قصة هذا الثري الذي يعيش في عزلة بسبب بخله. قرر جحا أن يزور الرجل، فذهب إلى قصره وطرق الباب قائلاً: "أيها الثري، أنا جحا، وقد جئت لزيارتك". عندما سمع الثري اسم جحا، فرح كثيرًا وفتح له الباب مرحبًا: "أهلاً بك، إنه ليوم جميل أن يزورني رجل معروف بالعلم والمعرفة، ليت أهل البلد يعلمون أنك عندي يا جحا".
استغرب جحا من كلامه وسأله عن الفائدة من معرفة الناس بالزيارة. فأجابه الثري بحزن: "إنهم يقاطعونني، وهذه هي المرة الأولى التي أتحدث فيها مع إنسان منذ زمن طويل، ولذلك أنا في غاية السعادة الآن". نظر إليه جحا وقال: "أيها المسكين، ألا تعرف سبب مقاطعتهم لك؟". فرد الثري: "وكيف أعرف وأنا لا أغادر قصري؟". فقال جحا بهدوء: "لقد جئت اليوم لأعلمك السبب".
طلب الثري من جحا الجلوس، وبدا عليه الكرم لمرة واحدة، فسأل جحا إن كان جائعًا أو عطشانًا ليحضر له الطعام أو الشراب. أجاب جحا: "إن كان لديك طعام فأحضر القليل، وإن لم يكن فشرابٌ يساعدني على تحمل الجوع". فأسرع الثري وأحضر إبريقًا من الماء. حينها، أمسك جحا بذراع الثري وقاده بلطف نحو نافذة الغرفة، وقال له: "انظر من خلف الزجاج، وأخبرني ماذا ترى؟".
نظر الثري وقال: "ماذا هناك يا جحا؟ لا أرى إلا الطرقات والناس الذين يمشون فيها، وهذا منظر أراه دائمًا من هنا". ثم سحبه جحا مرة أخرى، لكن هذه المرة نحو مرآة كبيرة معلقة على الحائط، وقال له: "والآن، انظر في المرآة وأخبرني ماذا ترى؟". تعجب الثري ونظر للمرآة ثم قال: "لا أرى إلا نفسي يا جحا، وهذا أمر طبيعي في كل مرة أنظر فيها للمرآة".
سأله جحا: "أتعرف ما هو الفرق بين زجاج النافذة وزجاج المرآة؟". فكر الثري قليلاً ثم قال: "زجاج النافذة شفاف، لذا نرى من خلاله الناس". وتابع جحا: "وماذا عن المرآة؟". فأجاب الثري: "المرآة لا نرى فيها إلا أنفسنا لأن خلف زجاجها طبقة رقيقة من الفضة".
هنا ابتسم جحا وقال له بحكمة: "لقد أصبت، والآن عليك أن تنزع غشاء الفضة هذا عن قلبك، لأنه يطمس بصيرتك ويجعلك لا ترى إلا نفسك. إذا تخلصت من التعلق الشديد بالمال والفضة، ستتمكن من رؤية الناس والاهتمام بهم، وحينها سيحبونك ويقتربون منك كما كانوا من قبل". شعر الثري بالخجل والسعادة في آن واحد وقال: "يا لك من حكيم يا جحا، لقد فهمت الدرس الآن". وعندما أراد جحا الرحيل، عرض عليه الثري الماء مرة أخرى، فرفض جحا قائلاً: "كلا، احتفظ به لنفسك، فربما تشعر بالجوع يومًا ما كما أشعر أنا الآن".