جحا يضحك الملك
عَلِمَ الْمَلِكُ ذات يوم أَنَّهُ يُوجَدُ رَجُلٌ ذكي يُلْقِي النَّوَادِرَ والقصص المضحكة، وَأَنَّهُ رَجُلٌ وَاسِعُ الْحِيلَةِ ولا يعجزه شيء. سَأَلَ الْمَلِكُ وَزِيرَهُ عَنْ هذا الرجل ليعرف من هو ، فَأجابه الْوَزِيرُ قائلًا: "إِنَّهُ جُحَا يَا مَوْلَايَ". حينها أَمَرَ الْمَلِكُ حراسه بأن يُحضروا جحا فورًا إلى قصره. وَعِنْدَمَا جَاءَ جُحَا، حَذَّرَهُ الْوَزِيرُ بِصوتٍ خافت من غضب الْمَلِكِ؛ لِأَنَّهُ مَلِكٌ شديد يَهْوَى قَطْعَ الرِّقَابِ لكل من يزعجه. دَخَلَ جُحَا مَجْلِسَ الْمَلِكِ، فَحَيَّاهُ بِكل أَدَبٍ وَتَوَاضُعٍ، وَفَاجَأَهُ الْمَلِكُ بطلبٍ غريب قائلًا: "هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُضْحِكَنِي بِطَرَائِفِكَ وَنَوَادِرِكَ؟". رد جُحَا بذكاء: "هَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَادَتِي لِاخْتِيَارِ النَّوَادِرِ الَّتِي تُعجب مَوْلَايَ وَتُضْحِكُهُ". وافق الْمَلِكُ وَلَكِنَّهُ هَدَّدَهُ قائلًا: "إِذَا لَمْ تُضْحِكْنِي قَطَعْتُ رَقَبَتَكَ؛ لِأَنَّنِي أَبْحَثُ عَمَّنْ يُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى نَفْسِي، وَيُزِيلُ مَا أَشْعُرُ بِهِ مِنْ حُزْنٍ".
بَدَأَ جُحَا يَقُصُّ أَجْمَلَ وَأَفْضَلَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الطَّرَائِفِ، وَالْمَلِكُ جَالِسٌ بوجْهٍ عَابِسٍ لَا تَرْتَسِمُ عَلَيْهِ حَتَّى بَسْمَةٌ صَغِيرَةٌ. خَافَ جُحَا عَلَى حَيَاتِهِ، وَرَاحَ جِسْمُهُ يَرْتَجِفُ وَيَضْطَرِبُ، وَصَارَ يَتَلَعْتَمُ فِي كَلَامِهِ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ. وَرَغْمَ أَنَّ جُحَا ألقى كُلَّ ما يَحفظه مِنَ النَّوَادِرِ، بَقِيَ الْمَلِكُ صَامِتًا كَالْحَجَرِ الأَصَمِّ. غَضِبَ الْمَلِكُ وَصَاحَ بِجُحَا: "إِنَّكَ لَمْ تُضْحِكْنِي، فَهَلْ جِئْتَ لِتَسْخَرَ مِنِّي؟ سَوْفَ آمُرُ بِقَطْعِ رَقَبَتِكَ فَوْرًا". لَمْ يَفْقِدْ جُحَا أَمَلَهُ، بَلْ قَالَ هَادِئًا: "إِنَّنِي لَمْ أَنْتَهِ بَعْدُ يَا مَوْلَايَ، فَانْتَظِرْ قَلِيلًا"، ثُمَّ أَكْمَلَ قِصَصَهُ وَهُوَ يَضْحَكُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ. تَعَجَّبَ الْمَلِكُ وَسَأَلَهُ: "لِمَاذَا تَضْحَكُ يَا جُحَا؟" ، فَقَالَ جُحَا: "إِنَّ مَا أَقُولُهُ مضحكٌ جِدًّا وَقَدْ أَدْخَلَ السُّرُورَ عَلَى نَفْسِي أَنَا".
رَغْمَ ذَكَاء جُحَا، كَانَ الْمَلِكُ مُصَمِّمًا عَلَى قَتْلِهِ، فَأَصْدَرَ أَمْرَهُ لِلسَّيَّافِ لِيَسْتَعِدَّ. حِينَهَا لَجَأَ جُحَا لِحِيلَةٍ أَخِيرَةٍ وَبَدَأَ يَسْتَعْطِفُ الْمَلِكَ قائلًا: "هَلْ يُرْضِيكَ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا عَطْشَانٌ؟ لَقَدْ جَفَّ حَلْقِي تمامًا". رَقَّ قَلْبُ الْمَلِكِ قليلًا وَأَمَرَ بِإِحْضَارِ قَدَحٍ مِنَ الْمَاءِ لَهُ. عِنْدَمَا أَمْسَكَ جُحَا الْقَدَحَ، قَالَ لِلْمَلِكِ: "إِنِّي خَائِفٌ أَنْ يَقْتُلَنِي السَّيَّافُ قَبْلَ أَنْ أَنْهِيَ شُرْبَ الْمَاءِ". طَمأَنَهُ الْمَلِكُ بِغَيْظٍ: "لَنْ تُقْتَلَ قَبْلَ شُرْبِكَ الْمَاءَ". فَطَلَبَ جُحَا مِنَ الْمَلِكِ أَنْ يَعِدَهُ بِشَرَفِ آبَائِهِ وَأَجْدَادِكَ أَلَّا يُقْتَلَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَنْتَهِيَ مِنْ شُرْبِ هَذَا الْمَاءِ. وَافَقَ الْمَلِكُ الْمُغْتَاظُ وَأَعْطَاهُ الْوَعْدَ أَمَامَ الْوُزَرَاءِ وَالنُّبَلَاءِ. وَفَجْأَةً، رَمَى جُحَا قَدَحَ الْمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ فَتَحَطَّمَ وَانْسَكَبَ الْمَاءُ وَضَاعَ فِي التُّرَابِ. نَظَرَ جُحَا لِلْمَلِكِ وَقَالَ: "الآن يَا مَوْلَايَ، أَنَا لَمْ أَشْرَبِ الْمَاءَ وَلَنْ أَشْرَبَهُ أَبَدًا لِأَنَّهُ ضَاعَ، وَأَنْتَ وَعَدْتَنِي أَلَّا تَقْتُلَنِي حَتَّى أَشْرَبَهُ!". حِينَهَا لَمْ يَتَمَالَكِ الْمَلِكُ نَفْسَهُ مِنَ الضَّحِكِ إِعْجَابًا بِذَكَاءِ جُحَا وَحِيلَتِهِ، وَقَرَّرَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ وَيَتْرُكَهُ يَعُودُ لِبَيْتِهِ سَالِمًا.