جحا والرمان

جحا والرمان

في قديم الزمان، كان هناك عالمٌ ذكيٌّ يحب السفر بين البلاد ليناقش العلماء ويتبادل معهم المعارف.

كان هذا العالم واثقاً بنفسه جداً، فكلما زار بلدةً وجلس مع علمائها، استطاع أن يغلبهم بحجته وقوة رأيه، حتى لم يعد أحدٌ يقوى على منافسته.

وفي إحدى المرات، وبينما كان يجادل علماء إحدى المدن، شعر هؤلاء العلماء بالضيق من كثرة أسئلته وتحديه، فقال له أحدهم: "يا ليتك تذهب لزيارة جحا وتحاوره!".

تعجب العالم وسأل: "ومن يكون جحا هذا؟". فأجابه الحاضرون بأنه رجل واسع العلم، راجح العقل، ومعه ينقلب الغالب مغلوباً.

شعر العالم بالتحدي وقرر التوجه فوراً إلى بلدة (قونية) حيث يعيش جحا. ركب حمارَه وسار وهو يتخيل كيف سيكون لقاؤه مع هذا الرجل المشهور.

وفي الطريق، فكر العالم في إحضار هدية تليق بجحا، وعندما توقف ليرتاح، أخبره بعض المسافرين أن أهل (قونية) يحبون الرمان حباً كبيراً.

فاشترى عشرين رمانة طازجة وواصل طريقه.

وعلى مشارف البلدة، رأى العالم رجلاً يرتدي ملابس بسيطة ويعمل بجد في حرث الأرض، ولم يكن ذلك الرجل سوى جحا نفسه.

اقترب العالم منه وهو لا يعرفه وسأله: "أين أجد جحا أيها الرجل؟".

نظر إليه جحا بتعجب وسأله عن سبب بحثه عنه. فأخبره العالم أنه سمع عن ذكائه الواسع ويريد أن يسأله في بعض المسائل، كما أنه يحمل له هدية غالية.

ابتسم جحا بمكر وقال للعالم: "اسألني أنا بدلاً منه، فإذا أجبتك، فلن تحتاج للذهاب إليه". فكر العالم قليلاً ووجدها فكرة جيدة.

طرح العالم سؤاله الأول، لكن جحا استوقفه قائلاً: "قبل أن أجيبك، أعطني رمانة، فلا أحد يحصل على المعرفة مجاناً!".

وافق العالم وأعطاه الرمانة، فأجابه جحا بذكاء.

ثم سأل العالم سؤالاً ثانياً، فطلب جحا رمانة أخرى، وهكذا استمر الحال؛ كلما سأل العالم سؤالاً، أخذ جحا رمانة وأكلها ثم أجابه، حتى نفد الرمان كله من السلة.

عندما سأل العالم سؤاله الأخير، قال له جحا ببساطة: "لقد انتهى الرمان الذي معك، وكذلك انتهت أجوبتي، فدعني أكمل حرث أرضي!".

صُدم العالم وفكر قليلاً ثم قال في نفسه: "إذا كان هذا مجرد حارث أرض في هذه البلدة وهو أعلم مني، فكيف سيكون جحا الكبير الذي يقصده الناس؟!".

أدار العالم حمارَه وعاد إلى بلده وهو يشعر بالندم والتحسر، دون أن يدرك أنه كان يحاور جحا نفسه طوال الوقت.

إرسال تعليق

أحدث أقدم