جحا وطمع الدنيا
كان جحا يعمل طوال النهار في جمع الحطب وبيعه، وفي أحد الأيام عاد إلى بيته وهو يشعر بإرهاق شديد من التعب والمشاق التي لاقاها. وبعد أن استراح قليلاً، طلب من زوجته أن تُعد له طعام الغداء، فجهزت له طعاماً بسيطاً جداً يعكس حالهما المتواضع وفقرهما الشديد. وبينما كان جحا يجلس مع زوجته في جو مليء بالعطف والحنان يتناولان طعامهما، بدآ يتجاذبان أطراف الحديث عن بعض جيرانهم الأغنياء.
نظر جحا إلى زوجته وقال بتعجب: "ما أغرب طبائع البشر وما أشد جشعهم!"، ثم سألها إن كانت تعرف جارهما واسع الثراء. فأجابت الزوجة بدهشة: "هل تقصد ذلك الرجل الذي يسكن في البيت الرائع في نهاية الطريق؟". فأكد لها جحا أنه هو، ووصفه بأنه رجل كان دائماً يطلب المزيد من المال ولا يقنع أبداً بما أعطاه الله. وأخبرها جحا أن هذا الرجل، رغم أمواله الطائلة، دفعه طمعه لمحاولة زيادة ثروته، فاشترى بكل ماله مئات من الإبل والأغنام ليتاجر بها. ولكن، لسوء حظه، أصيبت حيواناته بمرض معدٍ ماتت بسببه جميعاً، مما أدى لضياع ماله وإصابته بحزن شديد ومرض أقعده في الفراش.
ثم انتقل جحا للحديث عن جار آخر يسكن في برج عالٍ يثير إعجاب كل من يراه. أخبر جحا زوجته أن هذا الرجل جمع آلاف الدراهم الذهبية، ومع ذلك لم يكتفِ، بل طمع في المزيد وبدأ يتاجر في أقوات الناس (طعامهم) دون مراعاة للفقراء والمحتاجين. وقالت الزوجة بحزن إنهما لم يسمعا يوماً أن أحداً من هؤلاء الأغنياء قد ساعد فقيراً. وأنهى جحا قصته بأن هذا الرجل أيضاً خسر كل أمواله ويعرض برجه الآن للبيع. علقت الزوجة بأن الجشع كان سبب ضياع أموالهما، ليرد جحا بفخر: "أما نحن الفقراء فنرضى بالقليل ولا يدفعنا الطمع لطلب المزيد".
وفجأة، بينما هما يتحدثان، سمع جحا صوتاً يناديه ويقول: "لقد أتيت لمساعدتك وتلبية ما تطلب". نظر جحا فرأى رجلاً عجوزاً، فسأله جحا: "من أنت؟"، فأجاب العجوز: "أنا الكنز الذهبي، أعطيك ما تريد من الذهب، هيا ائتِ بكيسك". فرح جحا بشدة وأسرع يجمع أكياسه وهو لا يكاد يصدق. لكن الرجل العجوز حذره من أمر هام جداً: "أحذرك من سقوط أي قطعة ذهب على الأرض، فلو سقطت قطعة واحدة، سيتحول كل الذهب الذي معك إلى رمال وتصبح أكياسك بالية".
بدأ العجوز يصب الذهب في كيس جحا، وكان يسأله: "أيكفيك هذا يا جحا؟". لكن جحا، الذي كان يتحدث قبل قليل عن القناعة، بدأ يطمع ويقول: "لا، ليس بعد، ضع ما عندك". استمر العجوز في صب الذهب حتى أصبح الكيس ثقيلاً جداً، وحذر جحا بأن الكيس سيتمزق، لكن جحا ظل يطلب المزيد والمزيد. وفجأة، وبسبب ثقل الذهب، تمزق الكيس وسقطت القطع الذهبية على الأرض، وفي لمح البصر تحول الذهب كله إلى رمال.
بدأ جحا يصرخ بأعلى صوته: "لا.. لا.. أريد الذهب! أريد المزيد!". وهنا، استيقظ جحا على صوت زوجته وهي تهزه وتقول له: "جحا.. جحا! ماذا بك؟ وماذا حدث لك؟ هل كنت تحلم؟!"، ليكتشف جحا أن كل ذلك لم يكن إلا حُلماً بسبب حديثه عن المال والطمع.