جحا يدعي الموت
خرج جحا من بيته في الصباح الباكر والنشاط يملأ قلبه، متوجهاً إلى أطراف البلدة ليجمع الحطب كعادته كل يوم. وعندما وصل إلى المكان المنشود، بدأ يجمع الأغصان والقطع الخشبية بهمة عالية، لكنه بعد فترة وجيزة شعر بتعب شديد يحل بجسده، فقرر أن يستريح قليلاً تحت ظل شجرة وارفة، وما هي إلا لحظات حتى غط في نوم عميق جداً.
وبينما كان جحا غارقاً في نومه، رأى في منامه حلماً غريباً؛ تخيل فيه أنه قد فارق الحياة. انتظر جحا في حلمه بعض الوقت، وظل يراقب بصمت ليرى من سيأتي ليحمل جثمانه، ولكن لم يظهر أحد، فشعر بالقلق والضيق لأن جنازته قد تأخرت. فجأة، استيقظ جحا مذعوراً، وبدل أن يدرك أنه كان يحلم، نهض مسرعاً وعاد إلى بيته ليخبر زوجته بالخبر العجيب.
دخل جحا البيت صائحاً وأخبر زوجته بجدية تامة أنه قد مات، وحدد لها المكان الذي "توفي" فيه تحت الشجرة. نظرت إليه زوجته بدهشة كبيرة وقالت له: "ماذا جرى لعقلك يا جحا؟ إنني أراك أمام عيني حياً ترزق وبخير حال!". لكن جحا، بإصراره المعهود، أجابها: "لا تظني أنني أنا الذي يقف أمامك الآن، فما ترينه ليس إلا خيالي فقط". ثم خرج من البيت مسرعاً ليعود إلى مكانه تحت الشجرة ليرقد هناك كما كان في الحلم.
بدأت زوجة جحا تصرخ وتولول وتبكي بحرقة من شدة الحيرة والخوف، فاجتمع الجيران على صوت صراخها وسألوها عن السبب. قالت لهم وهي تمسح دموعها: "لقد مات جحا! جثته ملقاة الآن في المكان الذي يجمع فيه الحطب على مشارف البلدة". حزن الجيران حزناً شديداً وسألوها: "متى حدث هذا؟" ، فأجابتهم: "منذ قليل، فقد جاءني بنفسه وأخبرني أنه مات، ثم عاد إلى هناك ليرقد بسلام".
انطلق الجيران مسرعين إلى المكان، فوجدوا جحا ملقى على الأرض وهو في الحقيقة نائم نومًا عميقًا. وعندما تأكدوا أنه يتنفس ولم يمت، تعجبوا من فعله وقالوا: "ما هذه اللعبة السخيفة يا جحا؟". لكن جحا ظل صامتاً تماماً ولم ينطق بكلمة، فطلبت زوجته من الرجال أن يحملوه إلى البيت. وبمجرد أن رفعوه على أكتافهم، فتح جحا عينيه فجأة وانتبه لما يحدث.
نظر جحا إلى الجيران الذين يحملونه وقال لهم مستنكراً: "لماذا تحملونني بهذه الطريقة؟ إنني لم أمت بعد!". فضحك الجيران من طرافة الموقف وقالوا له بتهكم: "يا للعجب! أتريدنا الآن أن نصدقك أنت، ونكذب كل هؤلاء المشيعين الذين جاءوا لوداعك؟!".