جحا يمنع الهواء
كان يا ما كان، في قديم الزمان، جاء رجل من بلدة مجاورة لزيارة جحا، وطلب منه بتهذيب أن يذهب معه إلى بلدته ليعلم الأطفال الصغار القراءة والكتابة. وافق جحا بكل سرور، وشد رحاله مع الرجل. وعند وصوله، التقى بكبار أهل تلك البلدة، واتفقوا معه على اتفاق واضح: أن يقوم جحا بتعليم أبنائهم، وفي المقابل، يقدم له كل فلاح قدراً من القمح عند موسم الحصاد كأجر له على تعبه.
بدأ جحا عمله بجد ونشاط وهو يعلم الأولاد الحروف والكلمات. ولكن، حين حلّ موسم الحصاد واقترب وقت الوفاء بالوعد، فكر الفلاحون في حيلة ذكية للاحتفاظ بالقمح لأنفسهم وعدم إعطاء جحا حقه. وعندما جاء جحا ليطلب أجره، تظاهروا بالحزن واعتذروا له بأن المحصول كان قليلاً جداً هذا العام.
غضب جحا من كذبهم ومماطلتهم، وقرر أن يلقنهم درساً لا ينسونه، فقال لهم بكل ثقة: "مادام الأمر كذلك، فسأمنع عنكم الهواء، ولن تستطيعوا بعد اليوم أن تذروا محصولكم". ضحك الفلاحون بسخرية وتساءلوا كيف يمكن لبشر أن يمنع الهواء! لكن جحا رد عليهم بهدوء: "سترون ما أنا فاعل".
أحضر جحا مجموعة كبيرة من الحصير القوي، وصعد بها إلى قمة تل مرتفع يطل مباشرة على ساحات القمح (الأجران). وهناك، بدأ يصنع سواتر عالية من الحصير ليسد بها مجرى الرياح ويمنع وصولها إلى الفلاحين، ثم جلس يراقبهم بصمت. ومرت أيام كان الجو فيها حاراً جداً، وشعر الفلاحون بضيق شديد؛ فقد جف الهواء وتوقف القمح عن التحرك، فأدركوا أنهم في ورطة وبدأوا يتشاورون فيما بينهم.
لم يحتمل أحد الفلاحين الوضع، فذهب مسرعاً إلى جحا وقال له: "يا شيخ، سأعطيك ضعف ما اتفقنا عليه من القمح، بشرط أن تترك الهواء يأتي إلى ساحتي". توجه جحا نحو الحصيرة المواجهة لجرن ذلك الفلاح وبدأ يثقبها بعناية وهو يقول: "اذهب إلى عملك وسوف يصلك الهواء". وبالفعل، أرسل الفلاح القمح لجحا، وبعد قليل هبت نسمات الهواء نحو ساحته فقط، فاستطاع أن يذرى قمحه بنجاح.
عندما رأى الجيران ما حدث، حاولوا العمل في أجرانهم لكنهم لم يجدوا أي أثر للهواء عندهم. حينها قال لهم الفلاح الذي حصل على الهواء: "لا تتعبوا أنفسكم، اذهبوا إلى جحا وأعطوه حقه لكي يسمح للهواء بالمرور إليكم". ذهب الجميع إلى جحا وعاهدوه على إعطائه حقه كاملاً مع زيادة أيضاً، فاشترط عليهم جحا ألا ينقضوا عهدهم مرة أخرى، فوعدوه بالوفاء فوراً.
أسرع جحا بإزالة كل الحصير، فاندفع الهواء بقوة نحو الجميع، وسارع الفلاحون بتنقية القمح وإرسال حصة جحا إليه. جمع جحا القمح وهو يشعر بالسرور لانتصار الحق، وبينما كان يستعد للرحيل لبلدته، تجمع الفلاحون لوداعه، فدعا لهم بالخير وقال كلمته الحكيمة: "إن من لا يدفع الحق لصاحبه، يأخذ الله منه الحق مضاعفاً ويعطيه لصاحبه".