جحا يقول هناك فرق

جحا يقول هناك فرق


كان يا ما كان، في قديم الزمان، خرج جحا من بيته ذات يوم وهو يرتدي ملابسه البسيطة وعمامته الملونة، وقرر أن يسافر إلى إحدى البلاد المجاورة بحثاً عن عمل يسد به رمقه. وعندما وصل إلى تلك البلدة الجميلة، أخذ يتجول في شوارعها وأسواقها وبين بيوتها، وعيناه تراقبان كل شيء من حوله بحثاً عن فرصة عمل مناسبة. وبينما هو يسير، رآه رجل من أهل البلدة، فاقترب منه وسأله بلطف: "يا هذا، ما هو العمل الذي تجيد القيام به وتستطيع أن تعمل فيه؟".

رفع جحا رأسه بكل ثقة واعتزاز وقال: "يا أخي، إنني رجل واسع المعرفة، وعندي من العلوم الكثير والكثير، فأنا أجيد مهنة التدريس، وأعرف كيف أعظ الناس وأرشدهم، وأفهم في كل ما يخص العلم والعلماء". أعجب الرجل بحديث جحا الواثق، وقال له: "إذاً تفضل معي، سآخذك إلى أحد كبار وأعيان هذه البلدة، وسأطلب منه أن يجد لك عملاً يليق بمقامك وعلمك".

توجها معاً إلى بيت كبير وفخم، وهناك قابلا صاحب البيت الذي كان رجلاً غنياً ومثقفاً، فرحب بهما وقبل أن يستضيف جحا في بيته، وقرر أن يختبر ذكاءه وعلمه قبل أن يوظفه. شعر جحا بالسرور والراحة، وكان واثقاً تماماً من أن خبرته الطويلة ستجعله ينجح في هذا الاختبار مهما كان صعباً. وفي صباح اليوم التالي، دعاه صاحب البيت وقال له بلهجة التحدي: "هيا يا جحا، أرنا ما عندك من العلم".

بدأ جحا الاختبار، فقرأ بعض الآيات الكريمة والمواعظ المفيدة، وشرحها شرحاً دقيقاً ووافياً. ولكن صاحب البيت، لكي يثبت أنه ليس أقل منه علماً، قرأ مثلها وشرحها هو الآخر بشكل حسن. لم يستسلم جحا، فبدأ يتحدث عن معلومات واسعة تخص الطبيعة والبيئة من حولنا، فما كان من صاحب البيت إلا أن ذكر معلومات مماثلة لها تماماً. ثم حكى جحا عن تجاربه في الحياة، فقام صاحب البيت وحكى تجارب مشابهة. وأخيراً، كتب جحا بعض الأفكار والنظريات العلمية المعقدة، فكتب صاحب البيت مثلها، ثم نظر إلى جحا وقال بابتسامة: "كما ترى يا جحا، أنا أقرأ كما تقرأ، وأكتب كما تكتب، ولا يوجد أي فرق بيني وبينك في العلم!".

هنا صمت جحا قليلاً ثم قال: "أنا أرى ذلك وأدركه تماماً". فسأله صاحب البيت بانتصار: "إذن، هل تتفق معي أنه لا يوجد فرق بيننا؟". رد جحا بذكائه المعهود: "بل يا سيدي، بيني وبينك فرق عظيم جداً!". تعجب صاحب البيت وسأله: "وما هو هذا الفرق؟".

أجابه جحا بكل صراحة: "أنا حضرت إلى بلدكم ماشياً على قدمي من بلدي البعيد، متحملاً التعب والفقر بحثاً عن العلم والعمل. ولو أن الفقر أصابك كما أصابني، واضطررت أن تمشي على قدميك حتى تصل إليّ، ثم رددتك خائباً ومحروماً كما فعلت أنت معي الآن، حينها فقط يمكننا أن نقول إننا متساويان ولا فرق بيننا!". حين سمع صاحب البيت هذه الكلمات القوية والعميقة، ضحك من قلبه وأعجب بصدق جحا وذكائه، وقال له: "لقد غلبتني بحجتك وتفوقت عليّ حقاً بصدقك، فمرحباً بك لتعمل عندي من الآن".

إرسال تعليق

أحدث أقدم