جحا يجوع نفسه
في أحد الأيام، التقى جحا بكبير التجار، وهو رجل غني جداً، فابتسم الغني لجحا وقال له بلهجة ودودة: "نريد يا جحا أن نؤكد ما بيننا من المودة والصداقة، فما رأيك أن نأكل معاً عيشاً وملحاً؟". غمرت السعادة قلب جحا وأجاب بحماس: "لا مانع عندي أبداً، فهذا شرف كبير لي ويسعدني أن تقوى صداقتنا، فأهلاً بك في منزلي يا صديقي". لكن الغني قاطعه قائلاً: "بل الموعد عندي أنا، غداً تأتي إلى بيتي لنتغدى معاً". وافق جحا بسرور وودع صديقه الجديد وهو يحلم بوليمة الغد.
في صباح اليوم التالي، وضعت زوجة جحا طعام الإفطار أمامه، لكنه رفض الأكل قائلاً: "اعذريني يا زوجتي، لن أفطر اليوم". تعجبت الزوجة وسألته: "ولماذا تترك عادتك في الإفطار يا جحا؟". فأجابها بابتسامة عريضة: "لأنني سأتغدى اليوم في بيت كبير التجار وأغناهم مالاً". شعرت الزوجة بالغيرة قليلاً وقالت: "هكذا إذاً! ستذهب وحدك؟ ألم يطلب منك إحضاري معك؟ لعلك تريد الاستمتاع بالطعام اللذيذ وحدك!". طمأنها جحا قائلاً: "لقد نسيت أن أخبره عنكِ، لكنني أعدكِ بأنكِ ستكونين معي في المرة القادمة، والآن لا أريد أن أذوق أي طعام حتى يحين موعد الغداء".
سألته زوجته بشك: "وهل ستصبر على كل هذا الجوع؟". أجاب جحا بثقة: "نعم، سأصبر حتى تكون معدتي فارغة تماماً، لأستطيع التهام أشهى وأطيب الأطعمة التي سيقدمها لي صديقي الغني". خرج جحا لعمله لكنه عاد سريعاً إلى البيت ليستعد للوليمة الكبرى، وكان قد وصل إلى قمة الجوع.
عندما وصل جحا إلى بيت الغني، استقبله الرجل بترحيب حار، وأجلسه إلى مائدة الطعام الفخمة وانتظر جحا أن تنهال عليه أصناف اللحوم والحلويات. وبعد قليل، دخل الغني ووضع أمام جحا طبقاً فيه "عيش وملح" فقط!. صدم جحا واندهش بشدة، لكنه ظل صامتاً ينتظر باقي الأطباق، متجاهلاً الخبز الذي أمامه. جلس الغني بجانبه وبدأ يأكل الخبز ببساطة وهو يقول: "هيا يا جحا، مد يدك وكل معي عيشاً وملحاً". ولأن جحا كان يتضور جوعاً ولا يستطيع الانتظار أكثر، بدأ يأكل الخبز والملح بنهم شديد.
نظر الغني إلى جحا وهو يأكل بسرعة وقال له بخبث: "أراك تقبل على الأكل وتأكل الكثير، يبدو أن شهيتك مفتوحة جداً من لذة هذا الطعام! كل يا صديقي ولا تخجل". كان جحا يغلي من الغيظ في داخله بسبب بخل هذا الرجل، ولم يعرف كيف يرد عليه. وفي تلك اللحظة، مر شحاذ بباب البيت ونادى: "أعطوني مما أعطاكم الله". صرخ الغني في وجه الشحاذ بغضب: "اذهب من هنا فوراً وإلا كسرت رأسك!". لم يتحرك الشحاذ من مكانه، فاقترب منه جحا وقال له بمرارة: "أرجوك يا صديقي انصرف حالاً، فهذا الرجل إذا قال فعل، فقد قال لي بالأمس سنأكل عيشاً وملحاً، وها هو قد فعل ولم يطعمنا غيرهما!".