قامة طويلة وقامة قصيرة

 قامة طويلة وقامة قصيرة

قامة طويلة وقامة قصيرة

في مرج أخضر واسع تحت أشعة الشمس الدافئة، التقى ذات يوم جمل ضخم ذو وبر كثيف ومنظر مهيب، وعنزة رشيقة ذات حركة سريعة ونظرات ذكية. توقف الجمل أمام العنزة، وبدأ ينظر إليها من أعلى، فخامة قامته وطول عنقه جعلاه يشعر بزهو كبير.

بدأ الجمل يتباهى بنفسه، فرفع رأسه عالياً حتى صار فوق رؤوس ثلاث ماعز لو وقفت فوق بعضها البعض، وقال بصوت جهوري يملأ المكان: «يا لكِ من صغيرة أيتها العنزة! انظري إلى قامتي، كم هي طويلة وعالية! إنني أرى الأفق البعيد الذي لا تستطيعين رؤيته. أنا أهم حيوانات القرية وأفضلهم جميعاً، لأن القامة الطويلة تمنح صاحبها هيبة وقوة، وهي بلا شك أفضل بكثير من تلك القامة القصيرة التي تملكينها».

نظرت العنزة إليه بهدوء، ولم تشعر بالخجل من صغر حجمها، بل ردت عليه بذكاء قائلة: «كلامك يا صديقي الجمل غير صحيح تماماً. نعم، أنت طويل القامة، ولكنك بسبب ذلك بطيء وثقيل الحركة، وجسمك الكبير يمنعك من دخول الأماكن الضيقة. أما أنا، فصحيح أنني قصيرة القامة، لكنني رشيقة جداً وسريعة كالبرق، وأستطيع النفاذ من أصغر الفتحات. لذا، أنا أرى أن القامة القصيرة هي الأفضل والأكثر نفعاً».

بدأ الجدل يشتد بينهما، وكل واحد منهما يحاول إقناع الآخر برأيه، ويسوق الحجج والأدلة التي تثبت وجهة نظره. الجمل يصر على أن العلو رفعة، والعنزة تصر على أن الصغر خفة، ولم يستطع أي منهما أن يقنع الآخر، حتى قررا أن يضعا الأمر موضع الاختبار.

قال الجمل بتحدٍ: «سأثبت لكِ الآن بعمل أقوم به أن القامة الطويلة تتفوق على القصيرة، وسوف ترين بعينيكِ من هو الأفضل».

سارا معاً حتى وصلا إلى حديقة غناء يحيط بها سور مرتفع جداً. كانت الحديقة مليئة بأشجار الفاكهة الباسقة، وتدلت من فوق السور أغصان خضراء طرية تحمل أوراقاً شهية طازجة. كانت هذه الأغصان عالية، لا تصل إليها إلا العيون الطامحة.

ابتسم الجمل في ثقة، ورفع رأسه الطويل بسهولة فائقة، وشرع يتناول الأوراق الخضراء بفمه، ويمضغها بمتعة كبيرة. بل إنه لزيادة التحدي، رفع رجليه الأماميتين واستند بهما على السور ليصل إلى أغصان أكثر ارتفاعاً، وأكل حتى شبع تماماً والعنزة تراقب في صمت.

حاولت العنزة المسكينة أن تفعل مثله، فمدت عنقها الصغير لأقصى حد، وقفزت في الهواء مرات عديدة، وحاولت الاستناد إلى السور بكل قوتها، لكنها لم تستطع الوصول ولو لورقة واحدة. كانت الأغصان بعيدة جداً عن منالها.

هنا نظر إليها الجمل بانتصار وقال: «أرأيتِ الحقيقة الآن يا صديقتي؟ القامة الطويلة مكنتني من الحصول على أشهى الطعام، بينما بقيتِ أنتِ جائعة. ألا تؤمنين الآن أن القامة الطويلة أفضل؟».

ردت العنزة بإصرار وعزيمة: «لا تعجل بالحكم يا جمل، فقد أثبتَّ وجهة نظرك في هذا الموقف، لكن انتظر قليلاً، فدوري قد جاء لأثبت لك أن قامتي القصيرة هي الأفضل، وسأريك أن صغر حجمي ميزة لا تملكها أنت».

تابعا السير بجانب السور الطويل، حتى وصلا إلى فتحة صغيرة جداً في أسفل السور، كانت تؤدي إلى قلب الحديقة حيث ينمو عشب أخضر طري وناعم يغطي الأرض كالسجاد. أسرعت العنزة وانحنت بمرونة، ودخلت من تلك الفتحة الصغيرة بكل سهولة ويسر، وانطلقت داخل الحديقة تأكل من ذلك العشب اللذيذ الذي لا يطاله إلا من كان قريباً من الأرض.

وقف الجمل خارج السور مذهولاً، حاول بكل قوته أن يدخل رأسه فقط من تلك الفتحة، فخفض رقبته وحاول زج رأسه، لكن رأسه كان كبيراً جداً، وجسمه ضخماً لا يسعه المكان. بذل الجمل جهداً كبيراً حتى تعب، لكنه فشل في الدخول وبقي محبوساً في الخارج ينظر إلى العنزة وهي تنعم بالطعام.

أطلت العنزة برأسها من الفتحة وهي تمضغ العشب، وقالت للجمل: «أعتقد أنني قدمت لك دليلاً لا يمكنك إنكاره. لقد دخلتُ حيث لم تستطع أنت، وأكلتُ ما عجزتَ عن الوصول إليه. أليست القامة القصيرة هنا هي الأفضل؟».

في تلك الأثناء، كان هناك حصان حكيم يقف قريباً منهما، يراقب الموقف منذ بدايته ويسمع حوارهما العجيب. تقدم الحصان نحوهما بوقار وقال: «يا أصدقائي، لقد نسيتم أمراً مهماً. لكل من القامة الطويلة والقامة القصيرة مميزات وعيوب. فالجمل ينفرد بمزايا لا تملكها العنزة، والعنزة تمتلك قدرات يعجز عنها الجمل».

وتابع الحصان نصيحته قائلاً: «لا يصح لأي مخلوق أن يرى مزاياه فقط ويغفل عن مزايا الآخرين، فكل واحد منكما مكمل للآخر، ولكل مقام مقال. ففي العلو ميزة، وفي الصغر خفة، والحكمة هي أن يعرف كل واحد قدر نفسه ويحترم قدرات غيره».

نظر الجمل إلى العنزة بتقدير، ونظرت العنزة إلى الجمل بمودة، وأدركا أن الاختلاف بينهما ليس عيباً، بل هو جمال وتنوع يجعل لكل منهما دوراً خاصاً في هذه الحياة، ومنذ ذلك اليوم، صار الجمل والعنزة صديقين يتبادلان المساعدة والتقدير.

إرسال تعليق

أحدث أقدم