قَلْعَةٌ عَلَى الشَّاطِئِ
أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ فِي صَبَاحِ يَوْمٍ صَيْفِيٍّ جَمِيلٍ، وَأَرْسَلَتْ خُيُوطَهَا الذَّهَبِيَّةَ الدَّافِئَةَ لِتُدَاعِبَ أَمْوَاجَ البَحْرِ الزَّرْقَاءِ وَتَجْعَلَ مِيَاهَهُ لَطِيفَةً مُنْعِشَةً. وَفِي ذَلِكَ الوَقْتِ، تَهَيَّأَ الصِّغَارُ وَالكِبَارُ وَانْطَلَقُوا جَمِيعاً نَحْوَ الشَّاطِئِ الرَّمْلِيِّ لِيَسْتَمْتِعُوا بِجَمَالِ الطَّبِيعَةِ وَهَوَاءِ البَحْرِ العَلِيلِ.
كَانَ الطِّفْلُ "سَامِحُ" يَمْلأُهُ الحَمَاسُ، فَجَمَعَ أَلْعَابَهُ الكَثِيرَةَ وَالمُلَوَّنَةَ فِي كِيسٍ كَبِيرٍ، وَحَرِصَ كُلَّ الحِرْصِ عَلَى أَنْ لا يَنْسَى أَدَاوَاتِهِ المُفَضَّلَةَ: الرَّفْسَ الصَّغِيرَ، وَالدَّلْوَ المَتِينَ، وَالشَّوْكَةَ الَّتِي يُنَسِّقُ بِهَا الرِّمَالَ؛ فَقَدْ كَانَ سَامِحُ بَارِعاً فِي بِنَاءِ القُصُورِ الرَّمْلِيَّةِ العَالِيَةِ وَيُحِبُّ ذَلِكَ حُبّاً جَمِيلاً.
جَلَسَ سَامِحُ عَلَى الرَّمْلِ النَّاعِمِ، وَوَضَعَ حَوْلَهُ أَلْعَابَهُ المُلَوَّنَةَ، وَبَدَأَ بِكُلِّ جِدٍّ يَبْنِي قَلْعَةً مَنِ الرَّمْلِ. وَفِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ، لَمَحَهُ جَارُهُ "سَمِيرٌ" وَهُوَ يَعْمَلُ بِنَشَاطٍ، فَنَادَى سَمِيرٌ أُخْتَهُ الصَّغِيرَةَ "مُنَى" لِيَلْعَبُوا جَمِيعاً مَعَ جَارِهِمْ سَامِحٍ.
اقْتَرَبَتْ مُنَى مِنَ الطِّفْلِ سَامِحٍ بِرِفْقٍ وَسَأَلَتْهُ بِبَرَاءَةٍ: "هَلْ نَلْعَبُ مَعاً يَا سَامِحُ؟"، لَكِنَّ سَامِحاً نَظَرَ إِلَيْهَا وَرَدَّ بِاقْتِضَابٍ: "لا.. أُرِيدُ أَنْ أَلْعَبَ وَحْدِي". ثُمَّ عَادَ سَامِحُ لِيُكْمِلَ بِنَاءَ قَلْعَتِهِ، فَأَخَذَ يَجْمَعُ كَوْمَةً ضَخْمَةً مِنَ الرِّمَالِ، لَكِنَّ أَمْوَاجَ البَحْرِ كَانَتْ تَقْتَرِبُ بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ لِتَهْدِمَ مَا بَنَاهُ، وَهُوَ لا يَمَلُّ وَيُحَاوِلُ بِنَاءَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً.
جَاءَ سَمِيرٌ وَحَاوَلَ مَرَّةً أُخْرَى أَنْ يُشَارِكَهُ، فَقَالَ لَهُ بِلُطْفٍ: "هَلْ نَبْنِي مَعاً قَلْعَةً كَبِيرَةً يَا سَامِحُ؟". لَكِنَّ سَامِحاً أَصَرَّ عَلَى رَأْيِهِ، فَجَمَعَ كُلَّ أَدَاوَاتِهِ وَحَمَلَهَا عَلَى ظَهْرِهِ، وَمَشَى بَعِيداً عَنْهُمَا لِيَبْقَى وَحِيداً.
بَدَأَتْ مُنَى وَسَمِيرٌ بِالعَمَلِ مَعاً بِتَعَاوُنٍ وَنَشَاطٍ؛ جَلَسَتْ مُنَى تُكَدِّسُ الرِّمَالَ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ لِتَصْنَعَ بِنَاءً عَالِياً وَمَتِيناً، بَيْنَمَا كَانَ سَمِيرٌ يَنْقُلُ المَاءَ بِالدَّلْوِ وَيَصُبُّهُ بَعِنَايَةٍ فَوْقَ كَوْمَةِ الرَّمْلِ لِتَصْبِحَ قَوِيَّةً. قَالَتْ مُنَى لِأَخِيهَا: "يَكْفِي هَذَا المَاءُ.. هَيَّا لِتُسَاعِدَنِي يَا سَمِيرُ فِي التَّشْكِيلِ".
اشْتَرَكَ الأَخَوَانِ فِي البِنَاءِ بِحُبٍّ، وَبَعْدَ وَقْتٍ قَصِيرٍ، اكْتَمَلَ بِنَاءُ القَصْرِ الرَّائِعِ. نَظَرَتْ مُنَى إِلَيْهِ وَقَالَتْ: "مَاذَا يَنْقُصُ القَصْرَ؟ نَعَمْ نَعَمْ.. إِنَّهَا النَّوَافِذُ!". ثُمَّ سَأَلَتْ أَخَاهَا: "كَمْ نَافِذَةً تُرِيدُ لِلْقَصْرِ يَا سَمِيرُ؟"، فَأَجَابَهَا: "نُرِيدُ نَافِذَتَيْنِ فِي كُلِّ جِهَةٍ".
صَنَعَتْ مُنَى النَّوَافِذَ بِدِقَّةٍ، وَحَفَرَ سَمِيرٌ بَوَّابَةً عَظِيمَةً لِلْقَصْرِ، ثُمَّ غَرَسَتْ مُنَى أَعْوَاداً خَشَبِيَّةً صَغِيرَةً وَأَزْهَاراً جَمِيلَةً حَوْلَ البِنَاءِ، فَأَصْبَحَ كَأَنَّهُ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ مَسْحُورٌ. فِي هَذِهِ الأَثْنَاءِ، كَانَ سَامِحُ يَقِفُ قَرِيباً مِنْهُمَا وَقَدْ دَهَشَهُ جَمَالُ القَصْرِ وَرَوْعَتُهُ الَّتِي صَنَعَهَا التَّعَاوُنُ.
التَفَتَ سَمِيرٌ فَرَأَى سَامِحاً يَنْظُرُ إِلَيْهِمَا بِإِعْجَابٍ، فَقَالَ لَهُ بِقَلْبٍ طَيِّبٍ: "تَعَالَ لِتَلْعَبَ مَعَنَا يَا سَامِحُ". شَعَرَ سَامِحُ بِالخَجَلِ وَقَالَ بِنَبْرَةٍ نَادِمَةٍ: "أَنَا آسِفٌ!!"، فَرَدَّ عَلَيْهِ سَمِيرٌ وَمُنَى بِابْتِسَامَةٍ: "لا تَعْتَذِرْ، نَحْنُ سَامَحْنَاكَ يَا سَامِحُ"، وَضَحِكَ الجَمِيعُ بِسَعَادَةٍ.
أَسْرَعَ سَامِحُ وَأَخْرَجَ أَلْعَابَهُ لِيُشَارِكَ أَصْحَابَهُ، وَقَالَ بِفَرَحٍ: "أَنَا سَأَصْنَعُ قُبَّةً جَمِيلَةً لِلْقَصْرِ!". وَهَكَذَا اشْتَرَكَ الأَوْلادُ الثَّلاثَةُ فِي عَمَلٍ رَائِعٍ وَبِنَاءٍ قَوِيٍّ لا تَهْدِمُهُ الأَمْوَاجُ، وَتَعَاهَدُوا عَلَى أَنْ يَلْتَقُوا دَائِماً لِيَلْعَبُوا مَعاً.
تَعَلَّمَ سَامِحُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَكُونُ أَجْمَلَ عِنْدَمَا نَجِدُ مَنْ يُشَارِكُنَا اللَّعِبَ، وَأَنَّ الأَعْمَالَ تَنْتَهِي بِسُرْعَةٍ وَالأَوْقَاتُ تَمُرُّ سَعِيدَةً حِينَمَا نَتَعَاوَنُ مَعَ الأَصْدِقَاءِ.
