النَّحْلَاتُ النَّشِيطَاتُ
فِي قَلْبِ إِحْدَى الْغَابَاتِ الْغَنَّاءِ، حَيْثُ تَتَمَايَلُ الْأَزْهَارُ مَعَ نَسَمَاتِ الْهَوَاءِ، انْطَلَقَتِ النَّحْلَةُ النَّشِيطَةُ "مَيٌّ" فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ. لَمْ تَكُنْ "مَيٌّ" وَحْدَهَا، بَلْ كَانَتْ تَصْحَبُ صَدِيقَتَيْهَا الْوَفِيَّتَيْنِ "مَهَا" وَ"رَيْمَ" فِي رِحْلَةٍ مَعْهُودَةٍ نَحْوَ الْغَابَةِ الصَّغِيرَةِ الْمُجَاوِرَةِ لِلْخَلِيَّةِ الَّتِي يَعِشْنَ فِيهَا. كَانَتِ النَّحْلَاتُ يَطِرْنَ بِخِفَّةٍ وَسُرُورٍ، وَهُنَّ يَأْمَلْنَ بِجَنِي الْكَثِيرِ مِنَ الرَّحِيقِ الْعَذْبِ لِصُنْعِ الْعَسَلِ الْمُفِيدِ الَّذِي يُغَذِّي جَمِيعَ أَعْضَاءِ الْخَلِيَّةِ.
وَمَا إِنِ اقْتَرَبَتِ النَّحْلَاتُ الثَّلَاثُ مِنْ أَطْرَافِ تِلْكَ الْغَابَةِ، حَتَّى قَطَعَ سُكُونَ الطَّبِيعَةِ صَوْتٌ قَوِيٌّ وَمُرْعِبٌ يَزْأَرُ بَيْنَ الْأَشْجَارِ قَائِلاً: "ابْتَعِدْنَ أَيَّتُهَا النَّحْلَاتُ وَلَا تَقْرَبْنَ هَذِهِ الْغَابَةَ أَبَداً!". تَوَقَّفَتِ النَّحْلَاتُ فِي مَكَانِهِنَّ وَقَدْ شَلَّتِ الصَّدْمَةُ حَرَكَتَهُنَّ، وَأَخَذْنَ يَبْحَثْنَ بِخَوْفٍ شَدِيدٍ عَنْ مَصْدَرِ ذَلِكَ الصَّوْتِ الْجَهُورِيِّ. وَفَجَأَةً، ظَهَرَ أَمَامَهُنَّ صَقْرٌ كَبِيرٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ بِنَظَرَاتٍ مُخِيفَةٍ تَمْلَؤُهَا الْقَسْوَةُ وَالْكِبْرِيَاءُ. قَالَ الصَّقْرُ بِتَحَدٍّ: "لَنْ أَسْمَحَ لِأَحَدٍ بَعْدَ الْآنَ أَنْ يَقْتَرِبَ مِنْ هَذِهِ الْغَابَةِ، فَقَدْ أَصْبَحَتْ مُلْكِي خَاصَّةً مُنْذُ الْيَوْمِ؛ ابْتَعِدْنَ مِنْ هُنَا وَإِلَّا أَكَلْتُكُنَّ وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى!".
دَبَّ الرُّعْبُ فِي قَلْبِ "مَيٍّ" وَصَدِيقَتَيْهَا، فَلَمْ يَجِدْنَ بُدّاً مِنَ الْهَرَبِ، فَانْطَلَقْنَ مُسْرِعَاتٍ عُائِدَاتٍ إِلَى الْخَلِيَّةِ، وَتَوَجَّهْنَ إِلَى الْمَلِكَةِ فَوْراً لِإِخْبَارِهَا بِذَلِكَ الْعُدْوَانِ السَّافِرِ. حَزَنَتِ الْمَلِكَةُ كَثِيراً لِمَا سَمِعَتْ، وَأَدْرَكَتْ أَنَّ مَصِيرَ الْخَلِيَّةِ فِي خَطَرٍ، فَطَلَبَتْ مِنْ جَمِيعِ السُّكَّانِ أَنْ يَجْتَمِعُوا لِيُقَرِّرُوا مَصِيرَهُمْ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ أَنْ يَفْعَلُوا. بَعْدَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ، حَضَرَ الْجَمِيعُ أَمَامَ الْمَلِكَةِ وَهُمْ يَتَسَاءَلُونَ بِقَلَقٍ عَنْ سَبَبِ هَذَا الِاجْتِمَاعِ الطَّارِئِ. فَأَخْبَرَتْهُمُ الْمَلِكَةُ بِمَا جَرَى لِزَمِيلَاتِهِنَّ فِي الْغَابَةِ، وَطَلَبَتْ مِنْهُمُ الْمُسَاعَدَةَ فِي إِيجَادِ حَلٍّ نَاجِعٍ لِهَذِهِ الْمُشْكِلَةِ.
قَالَتْ إِحْدَى النَّحْلَاتِ بِيَأْسٍ: "إِذَا كَانَ الصَّقْرُ كَبِيراً وَقَوِيّاً كَمَا وَصَفَتْهُ مَيٌّ، فَلَيْسَ أَمَامَنَا سِوَى الِابْتِعَادِ عَنْ هَذِهِ الْغَابَةِ وَالْبَحْثِ عَنْ غَابَةٍ أُخْرَى نَقْصِدُهَا يَوْمِيّاً". لَكِنَّ "مَهَا" رَدَّتْ عَلَيْهَا بِعَقْلَانِيَّةٍ: "هَذَا حَلٌّ صَعْبٌ جِدّاً، فَهَذِهِ الْغَابَةُ هِيَ الْقَرِيبَةُ الْوَحِيدَةُ، أَمَّا بَاقِي الْغَابَاتِ فَهِيَ بَعِيدَةٌ جِدّاً وَسَنَتْعَبُ كَثِيراً فِي الْغُدُوِّ وَالرَّوَاحِ كُلَّ يَوْمٍ". حِينَئِذٍ أَيَّدَتِ الْمَلِكَةُ قَوْلَ "مَهَا" وَدَعَتْ لِلْبَحْثِ عَنْ فِكْرَةٍ أَفْضَلَ. اقْتَرَحَتْ "رَيْمُ" قَائِلَةً: "مَا رَأَيْكُنَّ فِي أَنْ نَتْرُكَ بَيْتَنَا هَذَا وَنَبْنِيَ لَنَا بَيْتاً آخَرَ قُرْبَ إِحْدَى الْغَابَاتِ الْمُجَاوِرَةِ فَنَرْتَاحَ مِنْ عَنَاءِ الطَّيَرَانِ لِمَسَافَاتٍ بَعِيدَةٍ؟".
فَرَدَّتْ عَلَيْهَا "مَيٌّ" بِشِدَّةٍ وَإِصْرَارٍ: "هَذَا حَلٌّ مُسْتَحِيلٌ يَا رَيْمُ! فَنَحْنُ لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَتَخَلَّى بِسُهُولَةٍ عَنِ الْبَيْتِ الَّذِي وُلِدْنَا وَنَشَأْنَا فِيهِ". وَأَكْمَلَتْ "مَيٌّ" بِفَخْرٍ: "كَمَا أَنَّ غَابَتَنَا هَذِهِ مِنْ أَكْثَرِ الْغَابَاتِ جَمَالاً وَغِنًى بِأَنْوَاعِ الزُّهُورِ وَالرَّيَاحِينِ، وَمِنَ الصَّعْبِ أَنْ نَجِدَ غَابَةً تُضَاهِيهَا فِي حُسْنِهَا". عِنْدَهَا ابْتَسَمَتِ الْمَلِكَةُ ابْتِسَامَةً مِلْؤُهَا الرِّضَى وَقَالَتْ: "أَحْسَنْتِ يَا مَيُّ، إِنَّ كَلَامَكِ صَحِيحٌ، عَلَيْنَا أَنْ نَتَمَسَّكَ بِبَيْتِنَا وَنُحَافِظَ عَلَيْهِ". وَأَكْمَدَتِ الْمَلِكَةُ بِحَزْمٍ: "إِنَّ هَذِهِ الْغَابَةَ مِلْكٌ لِلْجَمِيعِ وَلَيْسَتْ مِلْكاً لِفَرْدٍ وَاحِدٍ، وَمِنْ حَقِّ الْجَمِيعِ دُخُولُهَا، لِذَلِكَ سَنُدَافِعُ عَنْ حَقِّنَا وَنُواجِهُ الصَّقْرَ الْمُعْتَدِيَ بَدَلَ أَنْ نَهْرُبَ خَوْفاً".
تَسَاءَلَتْ إِحْدَى النَّحْلَاتِ بِقَلَقٍ: "كَلَامُكِ رَائِعٌ يَا مَوْلَاتِي، لَكِنَّنَا صِغَارُ الْحَجْمِ وَالصَّقْرُ ضَخْمٌ جِدّاً، فَكَيْفَ نُواجِهُهُ؟". أَجَابَتِ الْمَلِكَةُ بِثِقَةٍ: "إِذَا تَعَاوَنَّا وَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا بِأَيْدِي بَعْضٍ، أَصْبَحْنَا قُوَّةً تَفُوقُ قُوَّةَ الصَّقْرِ وَسَنَنْتَصِرُ عَلَيْهِ حَتْماً". أُعْجِبَ الْجَمِيعُ بِهَذَا الْمَنْطِقِ وَأَيَّدُوا رَأْيَ الْمَلِكَةِ بِحَمَاسٍ. فَقَالَتْ لَهُمُ الْمَلِكَةُ: "هَيَّا أَيُّهَا الشُّجْعَانُ، جَهِّزُوا أَنْفُسَكُمْ، فَهِيَ مُهِمَّةٌ خَطِيرَةٌ تَتَطَلَّبُ تضحِيَةً وَشَجَاعَةً، فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْتَعِدُّونَ؟". فَأَجَابَهَا الْجَمِيعُ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ زَلْزَلَ الْأَرْجَاءَ: "نَعَمْ، نَحْنُ مُسْتَعِدُّونَ!".
أَمَرَتِ الْمَلِكَةُ بِتَنْظِيمِ الصُّفُوفِ، وَانْطَلَقُوا جَمِيعاً مُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللَّهِ، سَائِلِينَ إِيَّاهُ النَّصْرَ عَلَى الْعَدُوِّ. وَبِفِعْلِ الرُّوحِ الْوَاحِدَةِ، انْطَلَقَتْ مَجْمُوعَةُ النَّحْلِ دَفْعَةً وَاحِدَةً نَحْوَ الْغَابَةِ لِمُوَاجَهَةِ الْمُعْتَدِي. وَمَا إِنْ أَبْصَرَهُمُ الصَّقْرُ يَقْتَرِبُونَ كَسَحَابَةٍ مُنَظَّمَةٍ، وَرَأَى فِي عُيُونِهِمْ نَظَرَاتِ التَّصْمِيمِ وَالْغَضَبِ وَالشَّجَاعَةِ، حَتَّى دَخَلَ الرُّعْبُ قَلْبَهُ وَجَمُدَ فِي مَكَانِهِ لَا يَدْرِي كَيْفَ يَتَصَرَّفُ. وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ إِلَّا أَنْ فَرَدَ جَنَاحَيْهِ وَطَارَ بَعِيداً مُغَادِراً الْغَابَةَ دُونَ رَجْعَةٍ. فَرِحَ الْجَمِيعُ بِالنَّصْرِ الْمُؤَزَّرِ وَهُمْ يَشْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى نِعْمَتِهِ. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، قَالَتِ الْمَلِكَةُ: "أَرَأَيْتُمْ؟ إِنَّ النِّضَالَ وَالتَّضْحِيَةَ وَالتَّعَاوُنَ هِيَ السَّبِيلُ الْأَفْضَلُ لِاسْتِرْدَادِ الْحُقُوقِ". وَهَكَذَا، أَدْرَكَ الْجَمِيعُ أَنَّ الْهُرُوبَ لَا يُجْدِي، بَلِ التَّصَدِّي بِقُوَّةٍ وَعَزِيمَةٍ هُوَ طَرِيقُ النَّجَاحِ الدَّائِمِ.
