أختي جمانة
مُنْذُ شُهُورٍ عِدَّةٍ، كُنتُ أعيشُ وحيدةً، ولا أَجِدُ مَنْ يُسَلِّيني في أوقاتِ فَرَاغي إلَّا لُعْبَتي التي كانت تبكي كثيراً. فَهِيَ لا تَكُفُّ عَنِ البُكَاءِ أَبَداً، إِلَّا إِذَا وَضَعْتُ لَها مُصاصَةً صغيرةً في فَمِها فَتَهْدَأُ وتَسْكُتُ. وفي أحَدِ الأيامِ السعيدةِ، رَأَيْتُ الفَرْحَةَ الكبيرةَ تَرْتَسِمُ عَلَى وَجْهِ أُمِّي وَأَبِي، فَقَدْ دَخَلَ إِلَى بَيْتِنَا مَوْلُودٌ جَديدٌ مَلأَ المكانَ بَهْجَةً. أَخْبَرَتْنِي أُمِي حِينَهَا أَنَّ هَذهِ المَوْلُودَةَ هِيَ أُختي جمانة، وَأَنَّها أَتَتْ مِنْ بَطْنِها تَماماً كَمَا أَتَيْتُ أَنا قَبْلَ سَنواتٍ.
إنَّ أُختي جمانة في أَكْثَرِ الأحيانِ تكونُ نائمةً في سَرِيرِها الصغيرِ، وأنا لا أنامُ كثيراً مِثْلَها. وعندما سألتُ عن ذلكَ، قالت لي أُمِّي: إِنَّ الصِّغَارَ يَنامُونَ كَثِيراً في بِدايةِ عُمْرِهِم، وإِنَّنِي عِنْدَمَا كُنْتُ في مِثْلِ سِنِّها، كُنتُ أَنامُ لِساعاتٍ طويلةٍ مِثْلَها تَماماً.
لاحظتُ أيضاً أنَّ طَعامُ أُختي جمانة مُختَلِفٌ تماماً عن طعامي؛ فَأَنا أَكُلُ الخُبْزَ الطازجَ والأَجْبَانَ والفاكهةَ اللذيذةَ، لأنَّ لي أسناناً قويةً أَمْضَعُ بِهَا الطَّعَامَ جَيِّداً. أما أُختي جمانة فَلَيْسَ لَها أسنانٌ بَعْدُ، لِذلِكَ فَهِيَ تَشْرَبُ الحَلِيبَ الدافئَ مِنْ زُجَاجَةِ الْحَلِيبِ التي تُحَذِّرُها له أمّي بِعنايةٍ، أوْ تَأْخُذُهُ مِنْ ثَدْيِها. وعِنْدَمَا تَكْبُرُ جمانةُ قليلاً، سَتَنْمُو لَهُا أَسْنانٌ مِثْلِي، وحِينَهَا سَتَتَمَكَّنُ مِنْ أَكْلِ كُلِّ شَيْءٍ أُحِبُّهُ ومُشارَكتي وجباتي.
أُختي جمانة لا تَستطيعُ الذَّهَابَ إِلَى الحَمَّامِ بِمُفْرَدِها مِثْلِي، لأَنَّها لا تزالُ صغيرةً ولا تَتَمَكَّنُ مِنَ المَشْيِ لِوَحْدِها. ولِهذا السببِ، تَضَعُ لَهُا أَمِّي الحفاضاتِ النظيفةَ، وَتُغَيِّرُها لَها مَرَّاتٍ عِدَّةً خِلالَ النَّهَارِ كُلَّما دَعَتِ الحاجةُ. وفي بَعْضِ الأَحْيَانِ، تَصْدُرُ عَنْ حِفاضاتِ أُختي رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، ولَكِنْ رَغْمَ ذَلِكَ فَأنا أُحِبُّها كَثيراً ولا أبتعدُ عنها، فأنا أيضاً كُنتُ أرتدي الحفاضاتِ مِثْلَها عِندَمَا كُنتُ في عُمْرِها.
عِنْدَما تَبْدَأُ أُختي جمانة بالبُكاءِ، أَتَذَكَّرُ لُعْبَتي الصغيرَةَ على الفَوْرِ، فَأُسْرِعُ مُتَلهِّفَةً إِلى غُرْفَتِها وأَقْتَرِبُ مِنْها بِهُدوءٍ. أَضَعُ المُصَاصَةَ في فَمِها الصغيرِ، وبِفَضْلِ ذلكَ تَكُفُّ عَنِ البُكاءِ وتَهْدَأُ. حِينَهَا تَبْتَسِمُ أُمِّي لي بِحَنَانٍ وتقول: "أَتُحِبِّينَها يا جنات؟"، فَأُجيبُها بِكُلِّ ثِقَةٍ: "نَعَمْ يَا أُمِّي، أُحِبُّها كَثِيراً، وَلَنْ أَتْرُكَها تَبْكِي أَبَداً".
لَقَدْ أَصْبَحَتْ أُختي جمانة بِمَثابةِ لُعْبَتي الحقيقيةِ، فَهِيَ مَصْدَرُ مُتْعَةٍ وَتَسْلِيَةٍ كبيرةٍ لي في البَيْتِ. وأنا أَنْتَظِرُ بِفارِغِ الصَّبْرِ أَنْ تَكْبُرَ وتَتَحَرَّكَ وتَمْشِيَ مِثْلِي، حَتَّى نَسْتَطِيعَ المَرَحَ واللَّعِبَ مَعاً في كُلِّ مَكانٍ. هَذهِ هِيَ أُختي جمانة الَّتي أُحِبُّها مِنْ كُلِّ قَلبي.
