ثَوْرُ السَّلْطَانِ
فِي عَهْدٍ لَيْسَ بِبَعِيدٍ، كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ عَاطِلٌ عَنِ الْعَمَلِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حِرْفَةٌ يَقْتَاتُ مِنْهَا سِوَى بَلَاغَةِ اللِّسَانِ وَقُدْرَتِهِ الْفَائِقَةِ عَلَى نَسْجِ الْكَلَامِ الْمُنَمَّقِ. كَانَ هَذَا الرَّجُلُ يَصُوغُ الْأَلْفَاظَ بِإِتْقَانٍ شَدِيدٍ، فَيَأْتِي كَلَامُهُ مُرَتَّبًا، مُنَظَّمًا، وَمَعْسُولًا، حَتَّى قَرَّرَ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ هَذِهِ الْمَلَكَةِ مِهْنَتَهُ الَّتِي يَعِيشُ بِهَا. وَهَكَذَا، اتَّخَذَ النِّفَاقَ سَبِيلًا لَهُ، فَبَدَأَ يَتَمَلَّقُ كُلَّ مَنْ يَرَى فِيهِ مَنْفَعَةً أَوْ مَصْلَحَةً خَاصَّةً. وَرَغْمَ أَنَّ زَوْجَتَهُ كَانَتْ تَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَتَشْعُرُ بِالْخِزْيِ وَالْخَجَلِ مِنْ تَصَرُّفَاتِ زَوْجِهَا الْكَسُولِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَزْدَادُ غُرُورًا وَشُعُورًا بِالِانْتِصَارِ كُلَّمَا نَجَحَ فِي خِدَاعِ أَحَدٍ بِنِفَاقِهِ وَإِقْنَاعِهِ بِأَكَاذِيبِهِ.
طَمَحَ هَذَا الرَّجُلُ إِلَى بَلُوغِ مَكَانَةٍ رَفِيعَةٍ، فَرَأَى أَنَّ أَقْصَرَ الطُّرُقِ لِذَلِكَ هُوَ التَّقَرُّبُ مِنَ السَّلْطَانِ. وَكَانَ هَذَا السَّلْطَانُ رَجُلًا طَيِّبَ الْقَلْبِ، لَكِنَّ شَعْبَهُ كَانَ يَنْقِمُ عَلَيْهِ لِأَمْرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ تَعَلُّقُهُ الشَّدِيدُ وَاهْتِمَامُهُ الْمُبَالَغُ فِيهِ بِثَوْرِهِ الْخَاصِّ، حَتَّى بَدَا أَنَّهُ يُقَدِّمُ رِعَايَةَ الثَّوْرِ عَلَى مَصَالِحِ الرَّعِيَّةِ. كَانَ السَّلْطَانُ يَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا الثَّوْرَ هُوَ مَصْدَرُ حَظِّهِ وَسِرُّ سَعَادَتِهِ، بَيْنَمَا كَانَ النَّاسُ يَرَوْنَ فِيهِ كَابُوسًا مُزْعِجًا؛ إِذْ كَانَ الثَّوْرُ حِينَ يَنْطَلِقُ يُرْعِبُ الْأَطْفَالَ، وَيُخَرِّبُ الْمَزَارِعَ، وَيَعْتَدِي عَلَى حُرُمَاتِ الْمَسَاكِنِ.
وَذَاتَ يَوْمٍ، مَاتَ ثَوْرُ السَّلْطَانِ، فَعَمَّتِ الْأَفْرَاحُ بَيْنَ النَّاسِ وَابْتَهَجُوا لِخَلَاصِهِمْ مِنْ هَذَا الْبَلَاءِ الَّذِي ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ أَنْفَاسَهُمْ. لَكِنَّ الرَّجُلَ الْمُنَافِقَ رَأَى فِي هَذِهِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي حَلَّتْ بِالسَّلْطَانِ فُرْصَةً ذَهَبِيَّةً لَا تُعَوَّضُ. فَتَوَجَّهَ إِلَى قَصْرِ السَّلْطَانِ وَهُوَ يَتَظَاهَرُ بِالْبُكَاءِ وَالْعَوِيلِ، وَطَلَبَ الدُّخُولَ لِأَمْرٍ جَلَلٍ. فَلَمَّا مَثَلَ بَيْنَ يَدَيِ السَّلْطَانِ وَالدُّمُوعُ تَنْهَمِرُ مِنْ عَيْنَيْهِ، قَالَ بِنَبْرَةٍ مِلْؤُهَا التَّفَجُّعُ: "مَاذَا أَفْعَلُ الْآنَ أَيُّهَا السَّلْطَانُ الْعَظِيمُ؟ لَقَدْ كَانَتْ رُؤْيَةُ ثَوْرِكَ الْفَقِيدِ هِيَ فَرْحَتِي الْوَحِيدَةَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، وَكُنْتُ أَنْتَظِرُ خُرُوجَهُ لِأُسْعَدَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وَأَدْعُو لَهُ بِطُولِ الْبَقَاءِ، لَكِنَّ اللهَ عَاقَبَنِي عَلَى ذُنُوبِي وَحَرَمَنِي مِنْ هَذِهِ الْبَهْجَةِ". ثُمَّ سَأَلَ بِمَكْرٍ عَمَّا إِذَا كَانَ لِلثَّوْرِ أَبْنَاءٌ لِيُعَزِّيَ نَفْسَهُ بِرُؤْيَتِهِمْ.
تَأَثَّرَ السَّلْطَانُ بِكَلامِهِ وَقَالَ وَالْحُزْنُ يَعْتَصِرُهُ: "اجْلِسْ أَيُّهَا الرَّجُلُ الْوَفِيُّ، لَقَدْ مَاتَ الثَّوْرُ وَلَمْ يَتْرُكْ أَبْنَاءً، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مَكْرُوبًا لِمَوْتِهِ مِثْلَكَ". فَأَجَابَهُ الْمُنَافِقُ بِكِذْبَةٍ أَكْبَرَ قَائِلًا: "بَلْ كُلُّ الشَّعْبِ حَزِينٌ يَا مَوْلَايَ، وَأَنَا جِئْتُ نِيَابَةً عَنْهُمْ جَمِيعًا". حِينَئِذٍ، قَرَّرَ السَّلْطَانُ تَقْرِيبَهُ وَضَمَّهُ إِلَى رِجَالِهِ، وَخَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَائِدًا لِلْفُرْسَانِ أَوْ رَئِيسًا لِلْعُلَمَاءِ، فَادَّعَى الرَّجُلُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْحِكْمَةِ وَالْمَشُورَةِ. فَأَرْسَلَهُ السَّلْطَانُ إِلَى "مَدِينَةِ الْعُقَلَاءِ" لِمُدَّةِ شَهْرَيْنِ لِيَخْتَبِرَ قُدْرَاتِهِ، وَعَدَهُ بَعْدَهَا بِأَنْ يَكُونَ وَزِيرَهُ الْمُقَرَّبَ.
وَصَلَ الْمُنَافِقُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَدَأَ يَنْثُرُ مَدِيحَهُ عَلَى عُقَلَائِهَا، لَكِنَّهُ رَكَّزَ جُهْدَهُ عَلَى شَابٍّ وَسِيمٍ كَانَ يَحْظَى بِاحْتِرَامِ الْجَمِيعِ. وَبَلَغَ بِهِ النِّفَاقُ أَنْ قَالَ لِهَذَا الشَّابِّ: "أُقْسِمُ أَنَّكَ أَنْتَ مَنْ تَسْتَحِقُّ الْمُلْكَ وَالسَّلْطَنَةَ، لَا هَذَا السَّلْطَانُ الطَّيِّبُ الَّذِي هَرِمَ وَلَمْ يَعُدْ يُفَرِّقُ بَيْنَ صَدِيقٍ وَعَدُوٍّ". ضَحِكَ الشَّابُّ وَدَعَا لِلسَّلْطَانِ بِطُولِ الْعُمُرِ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُنَافِقُ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الشَّابَّ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ ابْنُ السَّلْطَانِ نَفْسُهُ، وَقَدْ تَعَمَّدَ إِخْفَاءَ هُوِيَّتِهِ.
بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ، عَادَ الرَّجُلُ إِلَى السَّلْطَانِ حَامِلًا تَزْكِيَةً، فَاسْتَقْبَلَهُ السَّلْطَانُ وَسَأَلَهُ عَنِ الْأَحْوَالِ، فَمَا كَانَ مِنَ الْمُنَافِقِ إِلَّا أَنْ وَشَى بِالشَّابِّ قَائِلًا: "لَقَدْ رَأَيْتُ هُنَاكَ شَابًّا يَطْمَعُ فِي مَكَانِكَ، فَاحْذَرْ مِنْهُ". نَصَّبَهُ السَّلْطَانُ وَزِيرًا وَأَمَرَهُ بِمُقَابَلَةِ الشَّعْبِ الَّذِي كَانَ يُطَالِبُ بِتَأْسِيسِ مَجْلِسِ شُورَى مَكَانَ الْوَزِيرِ الْوَاحِدِ. خَرَجَ الْوَزِيرُ الْجَدِيدُ وَخَاطَبَ النَّاسَ بِتَعَالٍ، رَافِضًا فِكْرَةَ الشُّورَى وَمُدَّعِيًا أَنَّ الرَّأْيَ الْوَاحِدَ هُوَ الْأَصْوَبُ، فَمَا كَانَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا أَنْ هَتَفُوا ضِدَّهُ وَوَصَفُوهُ بِالْخَائِنِ.
عَادَ الرَّجُلُ إِلَى مَنْزِلِهِ مُنْتَشِيًا بِمَنْصِبِهِ، وَحِينَمَا سَأَلَتْهُ زَوْجَتُهُ عَنْ كَيْفِيَّةِ نَجَاحِهِ وَقَدْ كَسَبَ السَّلْطَانَ وَخَسِرَ الشَّعْبَ، أَجَابَهَا بِغُرُورٍ: "أَيَّتُهَا الْحَمْقَاءُ، رِضَا السَّلْطَانِ يَجْعَلُنَا فَوْقَ الرُّؤُوسِ، وَالشَّعْبُ لَا حَوْلَ لَهُ وَلَا قُوَّةَ". وَبَعْدَ أَيَّامٍ مَاتَ السَّلْطَانُ، وَجَاءَ رِجَالُ الْقَصْرِ لِيُخْبِرُوا الْوَزِيرَ أَنَّ الشَّعْبَ يُطَالِبُ بِابْنِ السَّلْطَانِ لِيَتَوَلَّى الْحُكْمَ، وَأَوْضَحُوا أَنَّ الِابْنَ كَانَ دَائِمًا يَقِفُ فِي صَفِّ الشَّعْبِ ضِدَّ تَصَرُّفَاتِ أَبِيهِ.
ظَنَّ الْمُنَافِقُ أَنَّهَا فُرْصَةٌ جَدِيدَةٌ لِيُثَبِّتَ مَكَانَتَهُ عِنْدَ السَّلْطَانِ الْجَدِيدِ. وَحِينَمَا وَصَلَ السَّلْطَانُ الْجَدِيدُ إِلَى الْقَصْرِ، صُعِقَ الْوَزِيرُ عِنْدَمَا رَأَى أَنَّهُ ذَلِكَ الشَّابُّ نَفْسُهُ الَّذِي كَانَ يُنَافِقُهُ وَيَذُمُّ أَبَاهُ أَمَامَهُ. حَاوَلَ الْمُنَافِقُ تَدَارُكَ الْمَوْقِفِ بِابْتِسَامَةٍ خَادِعَةٍ، فَقَالَ: "أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ أَنْتَ مَنْ تَسْتَحِقُّ الْمُلْكَ؟". لَكِنَّ السَّلْطَانَ الشَّابَّ نَهَرَهُ قَائِلًا: "لَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ الشَّعْبَ سَيَكْشِفُ حَقِيقَتَكَ، وَلَوْلَا عَهْدِي لِأَبِي لَمَا جَعَلْتُكَ وَزِيرًا". ثُمَّ أَمَرَهُ بِمُغَادَرَةِ الْبِلَادِ فَوْرًا، وَأَنْ يَتْرُكَ كُلَّ مَا جَمَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ عَنْ طَرِيقِ النِّفَاقِ، وَلَا يَأْخُذَ مَعَهُ إِلَّا مَا يَكْفِي أُسْرَتَهُ لِشَهْرٍ وَاحِدٍ، مُؤَكِّدًا لَهُ أَنَّهُ لَنْ يَجِدَ صَاحِبًا مَا دَامَ مُتَمَسِّكًا بِنِفَاقِهِ.
