الْإِصْبَعِ الْأَبْيَضِ: مُنَى وَحُلُمُهَا الْجَمِيلُ

الْإِصْبَعِ الْأَبْيَضِ: مُنَى وَحُلُمُهَا الْجَمِيلُ

الْإِصْبَعِ الْأَبْيَضِ مُنَى وَحُلُمُهَا الْجَمِيلُ

كَانَتْ مُنَى طِفْلَةً صَغِيرَةً، تَمْتَلِئُ نَفْسُهَا بِالْحَيَوِيَّةِ وَالنَّشَاطِ، وَيَشِعُّ وَجْهُهَا بِالْبَهْجَةِ وَالسُّرُورِ. كَانَتْ تَعْشَقُ أَوْقَاتَ الِاسْتِرَاحَةِ فِي مَدْرَسَتِهَا، حَيْثُ تَنْطَلِقُ كَالْفَرَاشَةِ بَيْنَ أَصْدِقَائِهَا، تَرْكُضُ وَتَضْحَكُ بِمِلْءِ فِيهَا، وَتُشَارِكُ بَنَاتِ وَأَوْلَادَ صَفِّهَا أَمْتَعَ الْأَلْعَابِ فِي سَاحَةِ الْمَدْرَسَةِ الْفَسِيحَةِ. وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ مُشْمِسٍ، بَيْنَمَا كَانَتْ مُنَى تَنْغَمِسُ فِي لُعْبَةِ الْجَرْيِ وَالْمُطَارَدَةِ مَعَ رِفَاقِهَا، تَعَثَّرَتْ قَدَمُهَا الصَّغِيرَةُ فَسَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ بِقُوَّةٍ، وَارْتَطَمَتْ يَدُهَا الْيُسْرَى بِالْبَلَاطِ الصُّلْبِ. شَعَرَتْ مُنَى حِينَهَا بِوَخْزٍ بَسِيطٍ فِي أَحَدِ أَصَابِعِهَا، لَكِنَّ حَمَاسَهَا لِلَّعِبِ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ الْأَلَمِ الْعَابِرِ، فَقَامَتْ مُسْرِعَةً وَنَفَضَتِ الْغُبَارَ عَنْ ثِيَابِهَا وَهِيَ تَقُولُ لِأَصْحَابِهَا بِمَرَحٍ: "لَا بَأْسَ يَا رِفَاقُ! أَنَا بِخَيْرٍ، هَيَّا نُكْمِلِ اللَّعِبَ!". وَاسْتَمَرَّتْ فِي الرَّكْضِ وَالصِّيَاحِ الْفَرِحِ حَتَّى دَقَّ جَرَسُ الْحِصَّةِ، دُونَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ السَّقْطَةَ سَتَكُونُ بِدَايَةً لِتَغْيِيرِ مَجْرَى حَيَاتِهَا.

عَادَتْ مُنَى إِلَى مَنْزِلِهَا بَعْدَ انْتِهَاءِ الْيَوْمِ الدِّرَاسِيِّ، وَلَمْ تَلْتَفِتْ أَبَدًا إِلَى ذَلِكَ الْأَلَمِ الطَّفِيفِ الَّذِي كَانَ يُرَاوِدُ إِصْبَعَهَا بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ. كَانَتْ طِفْلَةً مُجْتَهِدَةً، فَجَلَسَتْ خَلْفَ مَكْتَبِهَا الصَّغِيرِ، وَانْهَمَكَتْ فِي كِتَابَةِ فُرُوضِهَا الْمَدْرَسِيَّةِ بِكُلِّ جِدٍّ، ثُمَّ قَضَتْ وَقْتًا مُمْتِعًا مَعَ أَخِيهَا الصَّغِيرِ يُرَتِّبَانِ الْمُكَعَّبَاتِ وَيَحْكِيَانِ الْحِكَايَاتِ. وَعِنْدَمَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ بِسُكُونِهِ، آوَتْ مُنَى إِلَى فِرَاشِهَا الْوَافِيرِ، وَغَطَّتْ فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ وَهَادِئٍ، دُونَ أَنْ يَتَسَلَّلَ الْقَلَقُ إِلَى قَلْبِهَا الصَّغِيرِ.

وَلَكِنْ، فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، انْقَطَعَ ذَلِكَ الْهُدُوءُ، إِذْ اسْتَيْقَظَتْ مُنَى فَجْأَةً عَلَى نَبَضَاتٍ مُؤْلِمَةٍ تُمَزِّقُ إِصْبَعَهَا! كَانَ الْأَلَمُ حَادًّا وَمُزْعِجًا لِلْغَايَةِ، فَمَدَّتْ يَدَهَا الْمُرْتَجِفَةَ وَأَشْعَلَتِ الْمِصْبَاحَ الصَّغِيرَ بِجِوَارِ سَرِيرِهَا. وَيَا لَهَوْلِ مَا رَأَتْ! لَقَدْ تَبَدَّلَ حَالُ إِصْبَعِهَا تَمَامًا؛ إِذْ أَصْبَحَ مُنْتَفِخًا كَالْبَالُونِ، وَاصْطَبَغَ بِلَوْنٍ أَحْمَرَ قَانٍ يَمِيلُ إِلَى السَّوَادِ، وَعَلَتْ قِمَّتَهُ كُتْلَةٌ مُخِيفَةٌ مَمْلُوءَةٌ بِسَائِلٍ أَبْيَضَ. لَمْ تَتَمَالَكْ مُنَى نَفْسَهَا مِنَ الْخَوْفِ، فَانْفَجَرَتْ بِالْبُكَاءِ وَالنَّحِيبِ، مِمَّا جَعَلَ أُمَّهَا تُهْرَعُ إِلَيْهَا فَزِعَةً، تَلِيهَا خُطُوَاتُ أَبِيهَا الْقَلِقِ. نَظَرَ الْأَبُ إِلَى الْإِصْبَعِ الْمُصَابِ، وَحَاوَلَ بَصَوْتِهِ الرَّزِينِ أَنْ يَبُثَّ الطُّمَأْنِينَةَ فِي رُوحِهَا قَائِلًا: "لَا تَخَافِي يَا صَغِيرَتِي، إِنَّهُ مُجَرَّدُ الْتِهَابٍ بَسِيطٍ، وَعِنْدَ بُزُوغِ الْفَجْرِ سَنَتَوَجَّهُ فَوْرًا إِلَى الطَّبِيبِ". قَضَتِ الْأُمُّ بَقِيَّةَ اللَّيْلِ بِجَانِبِ مُنَى، تَضَعُ لَهَا كَمَّادَاتِ الْمَاءِ الْبَارِدِ لِتُخَفِّفَ عَنْهَا وَطْأَةَ الْأَلَمِ، حَتَّى طَلَعَ الصَّبَاحُ.

مَعَ إِشْرَاقَةِ الشَّمْسِ، كَانَتْ مُنَى فِي غُرْفَةِ الْكَشْفِ بِالْمَرْكَزِ الطِّبِّيِّ. اسْتَقْبَلَتْهَا طَبِيبَةٌ بَشُوشَةُ الْوَجْهِ، لَطِيفَةُ النَّبْرَةِ، فَنَظَرَتْ إِلَى الْجُرْحِ بِعِنَايَةٍ وَقَالَتْ لَهَا مُبْتَسِمَةً: "أَنْتِ بَطَلَةٌ شُجَاعَةٌ يَا مُنَى! سَأَقُومُ بِتَنْظِيفِ هَذَا الْإِصْبَعِ بِالْمُطَهِّرِ، ثُمَّ أَضَعُ عَلَيْهِ مَرْهَمًا أَسْوَدَ سِحْرِيًّا، وَسَتَشْعُرِينَ بِتَحَسُّنٍ كَبِيرٍ". بَدَأَتِ الطَّبِيبَةُ عَمَلَهَا بِرِفْقٍ مُتَنَاهٍ، ثُمَّ لَفَّتِ الْإِصْبَعَ بِطَبَقَاتٍ كَثِيفَةٍ مِنَ الشَّاشِ الْأَبْيَضِ النَّاصِعِ، حَتَّى صَارَ الْإِصْبَعُ يَبْدُو ضَخْمًا جِدًّا كَأَنَّهُ كُرَةُ قُطْنٍ كَبِيرَةٌ نَبَتَتْ فِي كَفِّهَا! غَادَرَتْ مُنَى الْعِيَادَةَ وَهِيَ تَشْعُرُ بِالرَّاحَةِ، وَتَوَجَّهَتْ مَعَ وَالِدَيْهَا إِلَى الْمَدْرَسَةِ بَعْدَ أَنْ طَمْأَنَتْهُمُ الطَّبِيبَةُ بِأَنَّ الشِّفَاءَ قَرِيبٌ.

دَخَلَتْ مُنَى الْفَصْلَ، وَسُرْعَانَ مَا انْجَذَبَتْ أَنْظَارُ جَمِيعِ التَّلَامِيذِ نَحْوِ يَدِهَا. كَانَ الْإِصْبَعُ الْأَبْيَضُ الضَّخْمُ يَبْدُو غَرِيبًا وَمُلْفِتًا، فَأَحَاطَ بِهَا الزملاءُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ يَسْتَفْسِرُونَ عَمَّا جَرَى. حَاوَلَتْ مُنَى أَنْ تُخْفِيَ يَدَهَا فِي جَيْبِ سُتْرَتِهَا بَعْضَ الْخَجَلِ، لَكِنَّ كِبَرَ حَجْمِ الضِّمَادَةِ جَعَلَ الْأَمْرَ عَسِيرًا وَمُوجِعًا. وَهُنَا، حَدَثَ أَمْرٌ رَائِعٌ لَمْ تَتَوَقَّعْهُ مُنَى؛ فَقَدْ أَرَادَ أَصْدِقَاؤُهَا أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهَا شُعُورَهَا بِالِاخْتِلَافِ، فَقَامَ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الصِّبْيَةِ وَالْبَنَاتِ بِلَفِّ مَنَادِيلَ وَرَقِيَّةٍ بَيْضَاءَ حَوْلَ أَصَابِعِهِمْ، مُعْلِنِينَ تَضَامُنَهُمْ مَعَهَا بِمَرَحٍ وَمَحَبَّةٍ. تَمَلَّكَتِ السَّعَادَةُ قَلْبَ مُنَى، وَتَحَوَّلَ خَجَلُهَا إِلَى ضِحْكَاتٍ صَافِيَةٍ، وَشَعَرَتْ بِقُوَّةِ الصَّدَاقَةِ الَّتِي تَجْعَلُ الصِّعَابَ تَهونُ.

تَوَالَتِ الْأَيَّامُ، وَكَانَتْ مُنَى تَزُورُ الْمَرْكَزَ الطِّبِّيَّ بَانْتِظَامٍ لِتَبْدِيلِ الضِّمَادَةِ. وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ، كَانَتْ تُرَاقِبُ أَنَامِلَ الطَّبِيبَةِ وَهِيَ تَعْمَلُ بِدِقَّةٍ، وَتَسْتَمِعُ إِلَى شَرْحِهَا الْمُبَسَّطِ عَنْ كَيْفِيَّةِ الْتِئَامِ الْجُرُوحِ. بَدَأَ الشَّغَفُ يَتَسَلَّلُ إِلَى عَقْلِ مُنَى، وَبَاتَتْ تَنْظُرُ إِلَى تِلْكَ السَّمَّاعَةِ الطِّبِّيَّةِ وَذَلِكَ الْمِعْطَفِ الْأَبْيَضِ بِإِعْجَابٍ شَدِيدٍ. وَبَعْدَ أُسْبُوعٍ مِنَ الرِّعَايَةِ، حَانَتِ اللَّحْظَةُ السَّعِيدَةُ حَيْثُ نَزَعَتِ الطَّبِيبَةُ الشَّاشَ نِهَائِيًّا، لِيَظْهَرَ الْإِصْبَعُ سَلِيمًا مُعَافًى كَمَا كَانَ. احْتَفَلَ زُمَلَاءُ مُنَى بِشِفَائِهَا، وَقَامَ أَحَدُ التَّلَامِيذِ الْمَوْهُوبِينَ بِرَسْمِ لَوْحَةٍ كَارِيكَاتِيرِيَّةٍ مُضْحِكَةٍ لِمُنَى وَهِيَ تَحْمِلُ إِصْبَعًا بَيْضَاءَ بِحَجْمِ الْبِطِّيخَةِ، فَعَلَّقَتْهَا الْمُعَلِّمَةُ عَلَى لَوْحَةِ الْحَائِطِ لِتَكُونَ ذِكْرَى طَرِيفَةً لِتِلْكَ الْأَيَّامِ.

لَمْ تَعُدْ مُنَى إِلَى سَابِقِ عَهْدِهَا بَعْدَ تِلْكَ التَّجْرِبَةِ؛ فَقَدْ وُلِدَ فِي دَاخِلِهَا حُلُمٌ كَبِيرٌ يُنِيرُ طَرِيقَهَا. أَعْلَنَتْ أَمَامَ الْجَمِيعِ بِكُلِّ ثِقَةٍ: "لَقَدْ قَرَّرْتُ أَنْ أُصْبِحَ طَبِيبَةً نَاجِحَةً، لِأُعَالِجَ الْآخَرِينَ وَأَرْسُمَ الِابْتِسَامَةَ عَلَى وُجُوهِ الْأَطْفَالِ الْمُتَأَلِّمِينَ!". وَمِنْ ذَلِكَ الْحِينِ، صَارَتْ مُنَى تَنْكَبُّ عَلَى كُتُبِ الْعُلُومِ، وَتَقْرَأُ عَنْ أَسْرَارِ جِسْمِ الْإِنْسَانِ، مُؤْمِنَةً بِأَنَّ ذَلِكَ "الْإِصْبَعَ الْأَبْيَضَ" لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ جُرْحٍ، بَلْ كَانَ الرِّسَالَةَ الَّتِي دَلَّتْهَا عَلَى هَدَفِهَا الْأَسْمَى فِي الْحَيَاةِ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم