سمكة النهر الصغيرة

 سمكة النهر الصغيرة

سمكة النهر الصغيرة

في نهرٍ صغيرٍ رقراق، تلمع مياهه تحت ضوء الشمس كأنها قطع من الكريستال، كانت تعيش سمكة جميلة تدعى "نجمة". كانت نجمة تمضي أيامها في سعادة وهدوء، تسبح بين الصخور الملونة والنباتات الخضراء، وتلعب لساعات طويلة مع صديقاتها الثلاث اللواتي كانت تحبهن كثيراً. وعلى الرغم من جمال حياتها في النهر، إلا أن نجمة كان لديها شغف كبير يسيطر على خيالها، وهو الاستماع إلى أحاديث أمها عن البحر الكبير الواسع، ذلك العالم الغامض الذي لا ينتهي، وأسراره العجيبة التي تخفيها أعماقه الزرقاء.

في كل ليلة، حين تنهي نجمة لعبها وتأوي إلى فراشها، كانت تلتفت إلى أمها بلهفة وتقول: "حدثيني عن البحر يا أمي، أخبريني المزيد عنه". فتبتسم الأم بحنان وتقول لها: "يا نجمة، لقد حدثتكِ عنه كثيراً، ألم تملّي من سماع الحكايات ذاتها كل يوم؟". فترد نجمة بسرعة واهتمام: "لا يا أمي، فأنا أحب البحر ولا أملُّ أبداً من سماع وصفكِ له ولجماله". حينها تبدأ الأم في وصف البحر الكبير، وما فيه من كائنات مدهشة وأسماك غريبة ومختلفة الأشكال والألوان، ونجمة تصغي إليها بكل جوارحها.

ومع مرور الأيام، كبر حلم نجمة وازداد شوقها لرؤية هذا البحر العظيم، حتى اتخذت قراراً لم يتوقعه أحد. فاجأت نجمة أمها في أحد الأيام وقالت: "أريد أن أذهب إلى البحر". بدت الدهشة والقلق على وجه والدتها وقالت: "وماذا تريدين أن تفعلي هناك يا صغيرتي؟". فأجابت نجمة بإصرار: "لقد مللتُ مياه النهر الهادئة، وهنا لا يوجد عندي سوى ثلاث صديقات، أما في البحر فبإمكانِي العثور على مئات الصديقات الجدد". حاولت أمها تحذيرها قائلة: "لكنكِ ما زلتِ صغيرة، والبحر مليء بالمخاطر". لكن نجمة قالت: "تقولين هذا لتخيفيني، وإذا كنتِ تخافين عليَّ حقاً فتعالي معي". ردت الأم بحزن: "أنا لا أستطيع ترك موطني الذي ولدتُ فيه، فهذا وطني وهنا أهلي". فقالت نجمة بعناد: "إذن سأذهب وحدي".

أمام إصرار نجمة، وافقت الأم بقلب مثقل بالدموع، بينما انطلقت نجمة تسبح بسرعة البرق نحو المصب. وما إن وصلت إلى البحر حتى وقفت مندهشة وقالت: "سبحان الله! ما أروع البحر وما أكبره!". بدأت نجمة تسبح وهي تشاهد أنواعاً لا تحصى من الأسماك، ولكن فرحتها لم تدم، إذ رأت فجأة سمكة كبيرة تتجه نحوها. ظنت نجمة أنها سترحب بها، لكنها فوجئت بالسمكة تفتح فماً ضخماً لتلتهمها. هربت نجمة بذكاء واختبأت بين الصخور، وأمضت يومها الأول في هروب مستمر من أسماك مفترسة حتى أرهقها التعب والجوع، فنامت في مخبأ ضيق حتى الصباح.

عندما أشرقت الشمس، رأت نجمة سمكة صغيرة تقترب منها، فخافت وهمت بالهرب، لكن السمكة نادتها بلطف: "لا تخافي، أنا مرجانة، فما اسمكِ؟". اطمأنت نجمة وقالت: "اسمي نجمة". دعتها مرجانة للعيش مع عائلتها، وهناك استقبلها الجميع كفرد منهم. أمضت نجمة أوقاتاً سعيدة مع مرجانة، يلعبان ويهربان معاً من الأخطار. لكن مع مرور الوقت، بدأ الحنين يتسلل إلى قلب نجمة، فكلما رأت حنان عائلة مرجانة، تذكرت أمها وحضنها الدافئ في النهر.

كانت نجمة تحاول إبعاد هذه الأفكار قائلة لنفسها: "لا يا نجمة، أنتِ تعيشين الحلم الذي تمنيتِ"، لكن شوقها لوطنها كان يزداد قوة يوماً بعد يوم. وأخيراً، قالت بحزم: "كفاكِ عناداً يا نجمة، عودي إلى أهلكِ". ذهبت إلى مرجانة وأخبرتها برغبتها في العودة. تعجبت مرجانة وقالت: "وماذا عن أحلامكِ في البحر؟". فأجابت نجمة بحكمة: "لقد تعلمتُ أن السعادة ليست فقط في المكان الجميل والواسع، بل في البقاء قرب من نحب، وفي المكان الذي نشعر فيه بالأمان، وأنا لا أشعر بالأمان إلا في وطني وقرب أمي".

حزنت مرجانة لفراقها لكنها شجعتها، وتعاهدتا على البقاء صديقتين. انطلقت نجمة عائدة نحو النهر تسبح بكل قوتها، ولم تعد تخاف الأسماك الكبيرة لأن رغبتها في لقاء أمها كانت أقوى من أي خوف. وما إن وصلت إلى مياه النهر العذبة حتى شعرت براحة لا توصف. أخذت تبحث عن أمها، وحين رأتها ارتمت في حضنها وهي تبكي من الفرح قائلة: "لقد عدتُ يا أمي.. لقد عدتُ إلى وطني وإليكِ، ولن أترككِ بعد اليوم أبداً". قبلتها أمها وضمتها وهي تقول بابتسامة: "أهلاً بكِ يا نجمة، لقد نورتِ بيتكِ وموطنكِ من جديد". ومنذ ذلك اليوم، أدركت نجمة أن أغلى ما يملكه المرء هو وطنه، وأن أجمل المغامرات هي تلك التي تنتهي بالعودة إلى حضن العائلة الدافئ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم