حكايات ألف ليلة 01 شهريار وشهرزاد
يُحكى أنه كان في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، ملك من ملوك بني ساسان ببلاد الهند والصين، وكان ذلك الملك مهاباً، لديه الكثير من الجند والأعوان والخدم. وكان لهذا الملك ولدان فارسان بطلان شجاعان، الأكبر اسمه الملك "شهريار"، والأصغر اسمه الملك "شاه زمان".
كبر الولدان وملك كل منهما بلاداً واسعة، فكان شهريار يحكم مملكته بالعدل بين الناس، وكان أخوه شاه زمان يحكم مدينة "سمرقند" ويسير فيها بسيرة حسنة، واستمر الحال بهما لسنوات طويلة وهما في سعادة وهناء. لكن الأيام لا تبقى على حالها، فقد وقعت أحداث جعلت الملك شهريار يتغير تغيراً كبيراً، فبعد أن كان حاكماً عادلاً رقيق القلب، أصبح ملكاً غاضباً وعنيفاً، وضاق خلقه بالناس، وصار يكره كل شيء من حوله.
بسبب هذا الغضب، بدأ شهريار يفعل أمراً غريباً ومرعباً، فكان يتزوج في كل ليلة فتاة جديدة من بنات المدينة، وما إن يطلع الصباح حتى يأمر سيافه بإنهاء حياتها، وظل على هذا الحال القاسي لسنوات طويلة. خاف الناس خوفاً شديداً على بناتهم، وهرب الكثير منهم بعيداً عن المدينة خوفاً من بطش الملك، حتى لم يبقَ في المدينة فتاة واحدة تصلح للزواج.
وفي يوم من الأيام، طلب الملك شهريار من وزيره كالعادة أن يبحث له عن زوجة جديدة، وهدده بأنه سيعاقبه عقاباً شديداً إن لم يجد له طلباً. عاد الوزير إلى بيته حزيناً مكسور القلب، فهو لم يجد في المدينة أحداً، وخاف على نفسه من غضب الملك. وكان لهذا الوزير ابنتان في غاية الذكاء والجمال، الكبرى اسمها "شهرزاد" والصغيرة اسمها "دنيا زاد".
كانت شهرزاد فتاة مميزة جداً، فقد قرأت كتب التاريخ، وعرفت قصص الأمم السابقة، وحفظت الكثير من أشعار العرب وحكاياتهم. وعندما رأت والدها الوزير مهموماً يبكي، اقتربت منه وقالت له برقة: "يا أبي العزيز، مالي أراك حزيناً هكذا؟ إن الهم لا يدوم، وكما يفنى السرور تفنى الهموم أيضاً".
حكى الوزير لابنته ما حدث مع الملك شهريار، وكيف أنه لم يجد له زوجة. عندها فكرت شهرزاد طويلاً وقالت بذكاء وإصرار: "يا أبي، أرجوك أن تزوجني أنا من الملك شهريار". صرخ الوزير مرعوباً: "ماذا تقولين يا ابنتي؟ إن هذا الملك سيقتلك في الصباح كما فعل مع غيرك!". لكن شهرزاد ردت بهدوء: "يا أبي، أنا أريد أن أخاطر بنفسي من أجل إنقاذ بنات جنسي، فإما أن أنجح في تغيير قلب الملك وإما أن أكون فداءً للآخرين، لقد وضعت خطة ذكية وسأنفذها".
حاول الوزير كثيراً أن يمنعها، وحكى لها قصصاً عن عاقبة الفضول والمخاطرة، مثل قصة الحمار والثور، لعلها تتراجع عن رأيها، لكن شهرزاد كانت قد اتخذت قرارها. وفي النهاية، وافق الوزير وهو يرتجف، وذهب إلى الملك شهريار وأخبره أن ابنته شهرزاد هي العروس الجديدة.
وعندما جاء الليل، دخلت شهرزاد على الملك، وكانت قد اتفقت مع أختها الصغيرة دنيا زاد على خطة ذكية. طلبت شهرزاد من الملك طلباً أخيراً، وهو أن تأتي أختها لتودعها. وعندما حضرت دنيا زاد، قالت كما اتفقا: "يا أختي شهرزاد، بالله عليكِ احكي لنا حكاية لطيفة نقطع بها سهرنا وننسى بها أحزاننا".
نظرت شهرزاد إلى الملك واستأذنته، فوافق وهو يشعر بالفضول. بدأت شهرزاد تحكي قصة مذهلة عن تاجر وعفريت، وظلت تحكي وتصف الأحداث بدقة وتشويق، والملك شهريار ينصت إليها بكل جوارحه وقد نسي غضبه تماماً. وعندما وصلت الحكاية إلى أكثر نقطة مشوقة وخطيرة، سكتت شهرزاد فجأة، وكان الفجر قد بدأ يلوح في الأفق.
قال الملك بلهفة: "أكملي الحكاية يا شهرزاد!". فقالت بذكاء: "يا مولاي، لقد طلع الصباح، وسأكمل لك بقية القصة في الليلة القادمة إذا أبقيت على حياتي، فهي أعجب وأجمل مما سمعت!". نظر الملك إليها وقال في نفسه: "والله لن أقتلها حتى أسمع نهاية هذه القصة العجيبة". وهكذا نجحت شهرزاد بذكائها وقصصها في تأجيل موعد موتها ليلة بعد ليلة، لتبدأ رحلة الألف ليلة وليلة التي غيرت قلب الملك شهريار إلى الأبد.