أرنوب الضاحك

أرنوب الضاحك

أرنوب الضاحك

كانَ هناكَ أرنبٌ صغيرٌ يُدعى أرنوب، وكانَ أرنوبُ هذا أرنباً ظريفاً جداً، يمتلكُ وجهاً باسماً وضحكةً لا تفارقُ شفاهَهُ أبداً. ولكن، خلفَ هذهِ الابتسامةِ الجميلةِ، كانَ أرنوبُ أرنباً شقياً ومستهتراً إلى أبعدِ الحدود. لم يكنْ يستمعُ لنصائحِ والدتِهِ الطيبةِ، بل كانَ يُضايقُها دائماً بأفعالِهِ الصبيانيةِ التي لا تنتهي. فبينما كانتْ أختُهُ الصغيرةُ تلعبُ بهدوء، كانَ أرنوبُ يذهبُ إليها ليتشاجرَ معها دونَ سبب، بل ويصلُ بهِ الأمرُ أحياناً إلى أن يضربَها بِيَدِهِ. كانتِ الأختُ المسكينةُ تَبكي بحرقةٍ وتذهبُ مسرعةً لتشكوَهُ إلى أُمِّهِما، وهي لا تفهمُ لماذا يعاملُها أخوها بهذهِ القسوة.

ولم تقتصرْ شقاوةُ أرنوب على البيتِ فقط، بل كانتْ تمتدُّ إلى أصدقائِه في الغابة. فعندما يجتمعُ الأرانبُ الصغارُ للعبِ والمرح، كانَ أرنوبُ يتعمدُ إفسادَ ألعابِهم لِيُغيظَهم. وما إن يرى الحزنَ أو الغضبَ في عيونِهم، حتى يتركَهم وينصرفَ بعيداً وهو يقهقهُ ويضحكُ بأعلى صوتِه. وأحياناً كانَ يتشاجرُ مع أحدِهم ويضربُه، ثمَّ يرحلُ وكأنَّ شيئاً لم يكن، والضحكةُ لا تفارقُ وجهَه. ضاقَ الأصدقاءُ ذَرعاً بتصرفاتِه، وقرروا في النهايةِ اتفاقاً جماعياً: "لن نلعبَ مع أرنوب بعدَ اليوم، فهو لا يحترمُ أحداً".

في ذلكَ الوقت، كانتِ الأمُّ قد صَبَرَتْ كثيراً على أرنوب، لكنَّ تمادِيَهُ في ضربِ أختِهِ وإزعاجِ الجميعِ جعلَها تغضبُ غضباً شديداً. نادَتْهُ وقالتْ لهُ بحزمٍ وصرامة: "اسمع يا أرنوب، لقد زادَ الأمرُ عن حدِّه، ولن أسمحَ لكَ بمضايقتِنا أكثرَ من ذلك. منذُ هذهِ اللحظة، لا تُكلمني أبداً ولا تنتظرْ مني أن أُحدثَكَ، حتى تراجعَ نفسَكَ وينصلحَ حالُكَ وتصبحَ ولداً مؤدباً يعرفُ قيمةَ الآخرين".

شعرَ أرنوبُ بصدمةٍ كبيرة، وخرجَ منَ البيتِ متوجهاً إلى الغابةِ وهو يشعرُ بحزنٍ عميقٍ يَعصرُ قلبَه. لم يكنْ يتخيلُ أبداً أنَّ شقاوتَهُ ستؤدي إلى أن تمنعَهُ أُمُّهُ منَ الكلامِ معها، فَهوَ رغمَ كلِّ شيءٍ كانَ يحبُّها. مشى طويلاً بينَ الأشجارِ حتى أحسَّ بالتعب، فجلسَ تحتَ ظلِّ شجرةٍ كبيرةٍ وبدأَ يبكي بصمتٍ وندم، حتى غلبهُ التعبُ وسرقهُ النومُ فنامَ مكانه.

وفي نومِهِ، رأى حلماً غريباً. وجدَ نفسَهُ يسيرُ في حديقةٍ ساحرةٍ وجميلةٍ جداً، كانتِ الأشجارُ فيها خضراءَ يانعة، والزهورُ ملونةً وتفوحُ منها أطيبُ الروائح، والأغصانُ محملةً بشتى أنواعِ الفواكهِ اللذيذة. فجأةً، شعرَ أرنوبُ بجوعٍ شديد، فمدَّ يدَهُ بلهفةٍ نحو شجرةِ تفاحٍ ليقطفَ منها ثمرةً حمراءَ شهية. لكنَّ المفاجأةَ كانتْ مذهلة؛ فقد سحبتِ الشجرةُ غُصنَها بعيداً عن يدِهِ وقالتْ لهُ بصوتٍ رزين: "ألا تعرفُ يا أرنوب أنَّ الجنةَ تحتَ أقدامِ الأمهات؟ لقد أغضبتَ أُمَّكَ وأحزنتَ قلبَها، ولذلكَ لا يوجدُ عندي تفاحٌ لأرنبٍ عاقٍّ مثلِك".

شعرَ أرنوبُ بالخجلِ الشديدِ وطأطأَ رأسَه، فتركَ شجرةَ التفاحِ ومشى حتى وصلَ إلى شجرةِ موزٍ رائع. قالَ في نفسِه: "يا الله! إنَّ رائحةَ الموزِ هنا لا تُقاوم!". ومدَّ يدَهُ ليأخذَ إصبعَ موز، ولكنَّ شجرةَ الموزِ رفعتْ ثمارَها عالياً بعيداً عن متناولِهِ وقالتْ بغضب: "اتركْ موزي لِمَنْ يستحقُّه فقط، فهو ليسَ لكَ أبداً. لقد رزقكَ اللهُ بأختٍ رقيقةٍ تحبُّكَ، لكنكَ كنتَ تقابلُ حُبَّها بالضربِ والإهانة، فتَحزنُ أُمُّكَ من أجلِها. اذهبْ بعيداً، فلا موزَ لكَ عندي".

ازدادَ حزنُ أرنوب وندمُه، وابتعدَ عن شجرةِ الموزِ وهو يشعرُ بالضياع. ثمَّ رأى شجرةَ برتقالٍ زاهية، ففرحَ وظنَّ أنَّها ستكونُ أحنَّ عليه، فجرى نحوها ليقطفَ برتقالةً. لكنَّ البرتقالةَ تمسكتْ بالغصنِ بشدةٍ ورفضتْ أن تنفصلَ عنه، وسمعَ الشجرةَ تقولُ له: "طالما كنتَ تُضايقُ أصدقاءَكَ المخلصينَ وتُفسدُ لعبَهم، فلن تذوقَ ثماري. اذهبْ وأصلحْ ما بينكَ وبينَهم أولاً، وحينها فقط سأقدمُ لكَ ثماري بنفسي".

في تلكَ اللحظة، استيقظَ أرنوبُ من نومِهِ مفزوعاً، فوجدَ نفسَهُ ما زالَ تحتَ الشجرةِ في الغابة، والدموعُ تبللُ وجهَهُ الصغير. لم يضعْ أرنوبُ أيَّ وقت، بل نهضَ في الحالِ وهو يملأُ قلبَهُ الإصرارُ على التغيير. بدأَ يجمعُ أجملَ الأزهارِ منَ الغابةِ ليقدمَها لوالدتِهِ اعتذاراً لها، واشترى بعضَ الجزرِ الطازجِ لأختِهِ الصغيرةِ لِيُفرحَ قلبَها. كما ذهبَ إلى أصدقائِه وأعطاهم كرتَهُ الخاصةَ ليلعبوا بها جميعاً في وئام. ومنذُ ذلكَ اليوم، عاشَ أرنوبُ مع الجميعِ سعيداً ومحبوباً، وأصبحَ يضحكَ بصوتٍ هادئٍ وجميلٍ لا يزعجُ أحداً، فصارَ الجميعُ ينادونَهُ بـ "أرنوب الضاحك" تعبيراً عن حُبِّهم له.


إرسال تعليق

أحدث أقدم