كليلة و دمنة 07-1 السلحفاةُ الطائرةُ
كَانَتْ هُنَاكَ بَطَّتَانِ لَطِيفَتَانِ تَعِيشَانِ مَعًا فِي غَدِيرٍ جَمِيلٍ، يَمْتَازُ بِمَائِهِ الْوَاَفِرِ الصَّافِي، وَتَسْبَحُ فِيهِ أَسْمَاكٌ كَثِيرَةٌ تَلْمَعُ تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ. وَكَانَ يُحِيطُ بِهَذَا الْغَدِيرِ مَرْعَىً أَخْضَرُ فَسِيحٌ، وَعُشْبٌ نَضِيرٌ يَسُرُّ النَّاظِرِينَ. وَفِي ذَاتِ الْمَكَانِ، كَانَتْ تَعِيشُ سُلَحْفَاةٌ طَيِّبَةٌ، نَشَأَتْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَطَّتَيْنِ صَدَاقَةٌ قَوِيَّةٌ وَمَتِينَةٌ.
لَقَدِ اعْتَادَ الأَصْدِقَاءُ الثَّلاثَةُ أَنْ يَقْضُوا أَمْتَعَ الأَوْقَاتِ مَعًا، فَيَلْعَبُونَ فِي الْمَاءِ وَعَلَى الْعُشْبِ، وَيَجْلِسُونَ طَوِيلًا عَلَى شَاطِئِ الْغَدِيرِ يَتَضَاحَكُونَ وَيَتَبَادَلُونَ الْحِكَايَاتِ اللَّطِيفَةَ. وَمِمَّا عُرِفَ عَنِ السُّلَحْفَاةِ أَنَّهَا كَانَتْ أَكْثَرَ الأَصْدِقَاءِ حَدِيثًا وَثَرْثَرَةً؛ فَالْكَلامُ كَانَ هِوَايَتَهَا الأُولَى الَّتِي لا تَمَلُّ مِنْهَا أَبَدًا. وَرَغْمَ كَثْرَةِ كَلامِهَا، إِلا أَنَّ حَدِيثَهَا كَانَ مَرِحًا وَظَرِيفًا يُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى قَلْبِ صَدِيقَتَيْهَا.
مَرَّتِ الأَيَّامُ حَتَّى جَاءَ وَقْتٌ صَعْبٌ؛ فَقَدْ بَدَأَ مَاءُ الْغَدِيرِ يَنْقُصُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى كَادَ أَنْ يَجِفَّ تَمَامًا، وَبَدَا الطِّينُ وَاضِحًا فِي قَاعِهِ بَعْدَمَا كَانَ مَمْلُوءًا بِالْمَاءِ الْعَذْبِ. شَعَرَتِ الْبَطَّتَانِ بِالْخَطَرِ، فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا لِلأُخْرَى: "لَمْ يَعُدْ لَنَا حَيَاةٌ فِي هَذَا الْمَكَانِ بَعْدَ أَنْ جَفَّ مَاؤُهُ، يَجِبُ أَنْ نَرْحَلَ فَوْرًا إِلَى مَكَانٍ آخَرَ تَكْثُرُ فِيهِ الْمِيَاهُ". وَافَقَتِ الْبَطَّةُ الثَّانِيَةُ عَلَى الرَّأْيِ، وَبَدَأتَا بِتَجْهِيزِ أَنْفُسِهِمَا لِلرَّحِيلِ.
عِنْدَمَا حَانَتْ لَحْظَةُ الْوَدَاعِ، ذَهَبَتِ الْبَطَّتَانِ إِلَى صَدِيقَتِهِمَا السُّلَحْفَاةِ بِقُلُوبٍ حَزِينَةٍ. قَالَتِ الْبَطَّةُ الأُولَى بِتَأَثُّرٍ شَدِيدٍ: "وَدَاعًا أَيَّتُهَا السُّلَحْفَاةُ اللَّطِيفَةُ"، بَيْنَمَا أَضَافَتِ الأُخْرَى وَهِيَ تُغَالِبُ دُمُوعَهَا: "لَنْ نَنْسَى أَيَّامَنَا الْجَمِيلَةَ مَعَكِ أَبَدًا، لَكِنَّنَا مُضْطَرَّتَانِ لِتَرْكِ الْغَدِيرِ لأَنَّ مَاءَهُ جَفَّ، وَنَحْنُ لا نَسْتَطِيعُ الْعَيْشَ بِلَا مَاءٍ".
دَهِشَتِ السُّلَحْفَاةُ وَصَاحَتْ: "إِذَا كَانَ نَقْصُ الْمَاءِ يَضُرُّكُمَا، فَهُوَ يَعْنِي مَوْتِي أَنَا! أَنَا كَالسَّفِينَةِ، لا أَقْدَرُ عَلَى الْحَرَكَةِ أَوِ السِّبَاحَةِ بِدُونِ مَاءٍ، وَسَأَبْقَى عَالِقَةً فِي الطِّينِ حَتَّى أَمُوتَ". رَقَّ قَلْبُ الْبَطَّتَيْنِ لِحَالِهَا، فَقَالَتِ السُّلَحْفَاةُ بِذَكَاءٍ: "إِذَا كُنْتُمَا لا تَسْتَطِيعَانِ الْبَقَاءَ مَعِي، فَهَلْ يُمْكِنُكُمَا مُسَاعَدَتِي وَحَمْلِي مَعَكُمَا؟".
سَأَلَتِ الْبَطَّتَانِ بِتَعَجُّبٍ: "وَكَيْفَ نَحْمِلُكِ وَأَنْتِ لا تَطِيرِينَ؟". شَرَحَتْ لَهُمَا السُّلَحْفَاةُ خِطَّتَهَا الْعَبْقَرِيَّةَ قَائِلَةً: "تُحْضِرَانِ عَصًا خَشَبِيَّةً، أَتَعَلَّقُ أَنَا بِفَمِي فِي وَسَطِهَا، ثُمَّ تُمْسِكُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا طَرَفًا مِنَ الْعَصَا بِمِنْقَارِهَا، وَتَطِيرَانِ بِي فِي الْجَوِّ".
أَعْجَبَتِ الْفِكْرَةُ الْبَطَّتَيْنِ، لَكِنَّهُمَا خَافَتَا مِنْ طَبِيعَةِ السُّلَحْفَاةِ الثَّرْثَارَةِ. حَذَّرَتْهَا إِحْدَاهُمَا قَائِلَةً: "إِيَّاكِ أَنْ تَنْطِقِي بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ تَفْتَحِي فَمَكِ أَثْنَاءَ الطَّيَرَانِ، وَإِلا سَتَسْقُطِينَ وَتَكُونُ النَّهَايَةُ". وَعَدَتْهُمَا السُّلَحْفَاةُ بِالصَّمْتِ التَّامِ، وَبِالْفِعْلِ، أَطْبَقَتْ عَلَى الْعَصَا بِقُوَّةٍ، وَرَفَعَتْهَا الْبَطَّتَانِ عَالِيًا فِي السَّمَاءِ.
بَيْنَمَا كَانَ الْمَوْكِبُ الطَّائِرُ يَمُرُّ فَوْقَ إِحْدَى الْقُرَى، ذُهِلَ النَّاسُ مِمَّا رَأَوْا. بَدَأُوا يُشِيرُونَ نَحْوَ السَّمَاءِ وَيَصِيحُونَ: "انْظُرُوا! سُلَحْفَاةٌ تَطِيرُ فِي الْجَوِّ! يَا لَهُ مِنْ أَمْرٍ عَجِيبٍ وَمُدْهِشٍ!". سَمِعَتِ السُّلَحْفَاةُ هَذَا الْكَلامَ، وَشَعَرَتْ بِرَغْبَةٍ عَالِمَةٍ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ. كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تُخْبِرَهُمْ بِفَخْرٍ أَنَّهَا هِيَ صَاحِبَةُ هَذِهِ الْفِكْرَةِ الْعَبْقَرِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْهَا إِلَيْهَا أَحَدٌ.
غَلَبَتْهَا طَبِيعَتُهَا الثَّرْثَارَةُ، وَنَسِيَتْ كُلَّ التَّحْذِيرَاتِ فِي لَحْظَةِ غُرُورٍ. فَتَحَتْ فَمَهَا لِتَقُولَ: "لا تَعْجَبُوا، فَأَنَا صَاحِبَةُ هَذَا الاخْتِرَاعِ!". وَمَا إِنْ فَتَحَتْ فَمَهَا حَتَّى فَلَتَتِ الْعَصَا، وَهَوَتْ نَحْوَ الأَرْضِ بِسُرْعَةٍ هَائِلَةٍ، لِتَرْتَطِمَ بِهَا بِقُوَّةٍ وَتَفْقِدَ حَيَاتَهَا. وَهَكَذَا، تَسَبَّبَ كَلامُ السُّلَحْفَاةِ الزَّائِدُ فِي نِهَايَتِهَا، وَكَفَّتْ عَنِ الثَّرْثَارَةِ إِلَى الأَبَدِ.