كليلة و دمنة 06 الجمل المخدوع

كليلة و دمنة 06 الجمل المخدوع

كليلة و دمنة 06 الجمل المخدوع

كان الأسدُ ملِكُ الغابةِ يعيشُ حياةً ناعمةً هانئةً في واحةٍ ظليلةٍ، ملتفةِ الشجرِ وغضةِ العشبِ وكثيرةِ الخضرةِ. وكان لهذا الأسدِ ثلاثةُ أصدقاءٍ لا يفارقونَهُ أبداً، وهم الذئبُ والغرابُ وابنُ آوى. وكان هؤلاءِ الأصدقاءُ يخدمونَ الأسدَ بكلِّ ما أوتوا من قوةٍ، وفي مقابلِ ذلكَ كان الأسدُ يسمحُ لهم أن يأكلوا ما تبقى على مائدتِهِ من صيدِهِ بعد أن يأكلَ هو حتى يشبعَ، وهكذا عاشَ الأربعةُ في تآلفٍ ووئامٍ.

وذاتَ يومٍ، مرَّ أحدُ الرعاةِ بتلكَ الواحةِ الجميلةِ وكان معهُ جمالٌ كثيرةٌ. وأُعجبَ أحدُ الجمالِ بكثرةِ العشبِ والخضرةِ في هذا المكانِ، فتخلفَ عن بقيةِ الجمالِ طمعاً في الأكلِ، ولم يفطنْ إليهِ الراعي فتركهُ ومضى. أكلَ الجملُ من العشبِ الغضِّ اللذيذِ حتى شبعَ، ثم سارَ إلى الشجرِ ليستظلَّ بهِ، فرأى الأسدَ وأصدقاءَهُ، لكنهُ كان جملاً شجاعاً فلم يفزعْ ولم يهربْ خوفاً من الأسدِ. تعجبَ الأسدُ من شجاعةِ الجملِ وسألهُ قائلاً: "من أينَ أتيتَ أيُّها الجملُ؟". فأجابَهُ الجملُ بأدبٍ شديدٍ أنهُ كان مع الراعي وتخلفَ عنهُ ليرعى في هذا المرعى الخصيبِ. أُعجبَ الأسدُ بإجابةِ الجملِ وأدبِهِ، وقالَ لهُ: "إذَنْ تقيمُ عندَنا في الخصبِ والسعةِ وأنتَ آمنٌ على حياتِكَ من أيِّ سوءٍ وشرٍّ". شكرَ الجملُ الأسدَ على كرمِهِ وعاشَ معهم زمناً طويلاً وهو ينعمُ بالأمنِ والأمانِ.

وذاتَ يومٍ، خرجَ الأسدُ للصيدِ كعادتِهِ، فقابلهُ فيلٌ ضخمٌ شرسٌ، فحاولَ الأسدُ اصطيادَهُ وهو يظنهُ صيداً سهلاً. لكنَّ الفيلَ تصدى لهُ بقوةٍ وراحَ يكيلُ لهُ الضرباتِ والطعناتِ بنابِهِ الحادِّ، حتى أثخنَهُ بالجراحِ في مواضعَ كثيرةٍ من جسدِهِ. أفلتَ الأسدُ من الفيلِ بصعوبةٍ شديدةٍ ولاذَ بالفرارِ عائداً إلى عرينِهِ وهو يئنُّ من الألمِ ويجرُّ أذيالَ الهزيمةِ. وبقيَ الأسدُ في عرينِهِ أياماً طويلةً لا يقدرُ على الخروجِ للصيدِ حتى كادَ يهلكُ من الجوعِ. وكذلكَ جاعَ أصدقاؤُهُ الثلاثةُ لأنهم كانوا يعتمدونَ في طعامِهم على فضلاتِ صيدِهِ.

عندما رأى الأسدُ حالَ أصدقائِهِ أشفقَ عليهم، ولكنَّ ابنَ آوى والذئبَ والغرابَ بدأوا يفكرونَ في حيلةٍ بـدهاءٍ. تظاهروا بالإخلاصِ للملكِ، ثم انطلقوا يتشاورونَ بعيداً عنهُ. قالَ الذئبُ: "لماذا لا نُزيّنُ للأسدِ أن يأكلَ الجملَ؟". فاعترضَ ابنُ آوى لأنَّ الأسدَ قد أعطى الجملَ الأمانَ. لكنَّ الغرابَ الخبيثَ قالَ: "لديَّ فكرةٌ ستجعلُ الأسدَ يوافقُ دونَ ترددٍ". عادوا إلى الأسدِ وأخبروهُ أنَّ الجملَ آكلَ العشبِ لا نفعَ منهُ، ومن الأفضلِ أن يأكلَهُ الأسدُ ليستردَّ قوتَهُ. غضبَ الأسدُ في البدايةِ وذكرهم بعهدِ الأمانِ الذي قطعَهُ للجملِ.

لكنَّ الغرابَ استمرَّ في مكرِهِ، وأقنعَ الأسدَ بأنَّ "النفسَ الواحدةَ يُفدى بها الملكُ"، واقترحَ حيلةً تجعلُ الجملَ يقدمُ نفسَهُ طواعيةً. وافقَ الأسدُ على الحيلةِ، فاجتمعَ الجميعُ، وبدأَ الغرابُ أولاً فعرضَ نفسَهُ للأكلِ فِداءً للملكِ، فاعترضَ الآخرونَ قائلينَ إنَّ لحمَهُ قليلٌ ولا يشبعُ. ثم عرضَ ابنُ آوى نفسَهُ، فادعى الغرابُ والذئبُ أنَّ لحمَهُ نتنٌ وقذرٌ. ثم عرضَ الذئبُ نفسَهُ، فادعوا أنَّ لحمَهُ يقتلُ من يأكلُهُ.

سمعَ الجملُ المسكينُ هذا الكلامَ وظنَّ أنَّ الأصدقاءَ مخلصونَ حقاً، فاعتقدَ أنهُ إذا عرضَ نفسَهُ فسوفَ يلتمسونَ لهُ عذراً كما فعلوا مع بعضِهم. فتقدمَ الجملُ وقالَ بصدقٍ: "أنا لحمي طيبٌ وبطني نظيفٌ، فليأكلني الملكُ ويطعمَ أصحابَهُ". وهنا صرخَ الغرابُ والذئبُ وابنُ آوى بصوتٍ واحدٍ: "لقد صدقَ الجملُ!"، وانهالوا عليهِ جميعاً وأكلوهُ، وهكذا وقعَ الجملُ الطيبُ ضحيةً لمكرِ الأصدقاءِ الخائنينَ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم