كليلة و دمنة 07-2 طائر البحر
كَانَ يَا مَا كَانَ، فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ، كَانَ هُنَاكَ طَائِرٌ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْبَحْرَ حُبًّا شَدِيدًا، وَلَا يُغَادِرُ شَوَاطِئَهُ أَبَدًا. كَانَ هَذَا الطَّائِرُ يَقْضِي نَهَارَهُ طَائِرًا فَوْقَ الْأَمْوَاجِ الزَّرْقَاءِ، يَرْقُبُ بَعَيْنَيْهِ الثَّاقِبَتَيْنِ الْأَسْمَاكَ السَّابِحَةَ، ثُمَّ يَنْقَضُّ عَلَيْهَا بِمَهَارَةٍ وَيَلْتَقِطُهَا بِمِنْقَارِهِ الْقَوِيِّ، لِيَتَنَاوَلَ غَدَاءَهُ عَلَى مَهْلٍ وَهُوَ يَتَمَتَّعُ بِنَسِيمِ الْبَحْرِ الْعَلِيلِ. وَعِنْدَمَا يَأْتِي اللَّيْلُ، كَانَ يَأْوِي إِلَى عُشِّهِ الصَّغِيرِ الَّذِي بَنَاهُ عَلَى الرِّمَالِ الذَّهَبِيَّةِ لِلشَّاطِئِ.
حِينَ حَلَّ فَصْلُ الرَّبِيعِ، وَجَاءَ وَقْتُ وَضْعِ الْبَيْضِ، شَعَرَتِ الزَّوْجَةُ بِالْقَلَقِ، فَقَالَتْ لِزَوْجِهَا: "يَا صَدِيقِي، إِنَّ مَكَانَ عُشِّنَا هَذَا غَيْرُ آمِنٍ، يَجِبُ أَنْ نَبْحَثَ عَنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ وَحَصِينٍ لِنَضَعَ فِيهِ بَيْضَنَا، حَتَّى إِذَا فَقَسَ وَخَرَجَتْ أَفْرَاخُنَا الصَّغِيرَةُ، كَانَتْ بَعِيدَةً عَنْ مَخَاطِرِ الْبَحْرِ".
تَعَجَّبَ طَائِرُ الْبَحْرِ مِنْ خَوْفِهَا وَقَالَ: "وَمَا الَّذِي يُخِيفُكِ فِي هَذَا الشَّاطِئِ الْجَمِيلِ؟ لِمَاذَا نَرْحَلُ وَالْمَاءُ وَالطَّعَامُ حَوْلَنَا فِي كُلِّ مَكَانٍ؟". فَأَجَابَتْهُ الزَّوْجَةُ بِحَذَرٍ: "أَخْشَى مِنْ وَكِيلِ الْبَحْرِ، فَإِذَا حَدَثَ الْمَدُّ وَارْتَفَعَتِ الْأَمْوَاجُ، سَيَجْرُفُ الْمَاءُ عُشَّنَا وَيَأْخُذُ صِغَارَنَا إِلَى الْأَعْمَاقِ".
لَكِنَّ طَائِرَ الْبَحْرِ كَانَ عَنِيدًا، فَضَحِكَ وَقَالَ: "مَا هَذَا الْهُرَاءُ! لَنْ يَقْدِرَ وَكِيلُ الْبَحْرِ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ، ضَعِي الْبَيْضَ هُنَا وَلَا تَقْلَقِي". حَاوَلَتِ الزَّوْجَةُ مَرَّةً أُخْرَى قَائِلَةً: "يَا زَوْجِي الْعَزِيز، يَجِبُ أَنْ نُفَكِّرَ فِي الْعَوَاقِبِ، فَالنَّدَمُ لَا يَنْفَعُ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، وَوَكِيلُ الْبَحْرِ قَدْ هَدَّدَنَا مِنْ قَبْلُ". رَغْمَ كُلِّ هَذَا التَّحْذِيرِ، لَمْ يَهْتَمَّ الطَّائِرُ، فَوَضَعَتِ الزَّوْجَةُ بَيْضَهَا فِي الْعُشِّ الرَّمْلِيِّ وَهِيَ خَائِفَةٌ.
وَبَعْدَ أَيَّامٍ، فَقَسَ الْبَيْضُ وَخَرَجَتْ أَفْرَاخٌ صَغِيرَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَفَجْأَةً، ارْتَفَعَ مَوْجُ الْبَحْرِ وَثَارَ الْمَدُّ، فَجَرَفَتِ الْمِيَاهُ الْعُشَّ وَأَخَذَ وَكِيلُ الْبَحْرِ الصِّغَارَ رَحِيلًا إِلَى الْأَعْمَاقِ. بَكَتِ الزَّوْجَةُ بِحُرْقَةٍ وَقَالَتْ: "لَقَدْ حَذَّرْتُكَ، لَكِنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ لِي!". شَعَرَ طَائِرُ الْبَحْرِ بِالْغَيْظِ الشَّدِيدِ وَقَالَ: "لَنْ أَسْكُتَ عَلَى هَذَا الظُّلْمِ، سَأَنْتَقِمُ مِنْ وَكِيلِ الْبَحْرِ وَأُعِيدُ أَطْفَالِي بِأَيِّ ثَمَنٍ".
سَأَلَتْهُ الزَّوْجَةُ: "وَكَيْفَ لِطَائِرٍ مِثْلِكَ أَنْ يَهْزِمَ وَكِيلَ الْبَحْرِ الْقَوِيَّ؟". قَالَ لَهَا: "سَوْفَ تَرَيْنَ". طَارَ الطَّائِرُ إِلَى إِخْوَانِهِ مِنَ الطُّيُورِ وَطَلَبَ مُسَاعَدَتَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: "نَحْنُ مَعَكَ، وَلَكِنَّنَا لَا نَمْلِكُ الْقُوَّةَ الْكَافِيَةَ لِمُحَارَبَةِ الْبَحْرِ وَحْدَنَا، فَلْنَذْهَبْ إِلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الطُّيُورِ لِنَشْكُوَ لَهُمْ مَا حَدَثَ".
اجْتَمَعَتْ أَسْرَابُ الطُّيُورِ، وَقَالُوا: "إِنَّ سَيِّدَنَا وَمَلِكَنَا هُوَ النَّسْرُ الْعَظِيمُ، هُوَ الْأَقْوَى وَالْأَشْجَعُ، فَلْنَذْهَبْ إِلَيْهِ جَمِيعًا فَلَا بُدَّ أَنَّهُ سَيَنْصُرُنَا". تَوَجَّهَتِ الطُّيُورُ كُلُّهَا فِي مَوْكِبٍ كَبِيرٍ إِلَى عُشِّ النَّسْرِ، وَحَكَوْا لَهُ قِصَّةَ طَائِرِ الْبَحْرِ وَالِاعْتِدَاءِ الَّذِي تَعَرَّضَ لَهُ.
تَأَثَّرَ النَّسْرُ الشُّجَاعُ لِمَا سَمِعَ، وَقَرَّرَ أَنْ يَقُودَ جَيْشَ الطُّيُورِ لِمُحَارَبَةِ وَكِيلِ الْبَحْرِ. طَارَ النَّسْرُ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَخَلْفَهُ آلَافُ الطُّيُورِ، وَصَاحُوا صَيْحَةً وَاحِدَةً زَلْزَلَتِ الشَّاطِئَ. عِنْدَمَا رَأَى وَكِيلُ الْبَحْرِ هَذَا الْجَيْشَ الْقَوِيَّ يَقْتَرِبُ، وَشَاهَدَ قُوَّةَ النَّسْرِ وَإِصْرَارَ الطُّيُورِ، خَافَ خَوْفًا شَدِيدًا.
أَدْرَكَ وَكِيلُ الْبَحْرِ أَنَّهُ أَخْطَأَ، فَقَامَ بِإِعَادَةِ الْأَفْرَاخِ الصَّغِيرَةِ سَالِمَةً إِلَى وَالِدَيْهِمَا، وَاعْتَذَرَ عَمَّا فَعَلَهُ. فَرِحَ طَائِرُ الْبَحْرِ وَزَوْجَتُهُ بِعَوْدَةِ صِغَارِهِمَا، وَتَعَلَّمَ الطَّائِرُ دَرْسًا لَنْ يَنْسَاهُ أَبَدًا؛ وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِمَاعَ لِلنَّصِيحَةِ وَالْحَذَرَ وَاجِبٌ، وَأَنَّ الِاتِّحَادَ قُوَّةٌ تَهْزِمُ أَيَّ ظَالِمٍ.
- كليلة و دمنة 09 الجرذ والغراب
- كليلة و دمنة 08 الحمامة المطوقة
- كليلة و دمنة 07-3 الشريكُ المحتالُ
- كليلة و دمنة 07-2 طائر البحر
- كليلة و دمنة 07-1 السلحفاةُ الطائرةُ
- كليلة و دمنة 06 الجمل المخدوع
- كليلة و دمنة 05 الأرنب والأسد
- كليلة و دمنة 04 محاكمة دمنة
- كليلة و دمنة 03 دمنة مجرماً
- كليلة و دمنة 02 الأسد والثور
- كليلة و دمنة 01 في خدمة الأسد
