الثعلب والببغاء

الثعلب والببغاء

الثعلب والببغاء

في أحدِ أَيَّامِ الربيع المُشرقة الجميلة، كانت الشمس تملأ الغابة بدفئها، ووقفت الببغاءُ الزاهيةُ عَلَى غُصْنِ الشَّجَرَةِ العالي تَفردُ جناحيها الملونين بكل فخر. كانت هَذِهِ الببغاء جميلةً جداً، لكنها للأسف كانت مغرورةً للغاية، وتَظُنُّ نَفسَها أجمل طائر خلقه الله في الكون. رفعت الببغاء رَأسَها عالياً، ونظرت إلى ألوان ريشها بتباهٍ، وصارت تُغَنِّي بصوتٍ مرتفع وهي معجبةٌ بنفسها وبجمالها الأخاذ.

في تلك الأثناء، كَانَ الثعلبُ الماكر يَتَجَوَّلُ بين أشجار الغابة وهو يشعر بجوعٍ شديد. وبينما هو يسير، رَفَعَ نظره فرأى الببغاء وهي تتمايل على الغصن، فقالَ لِنَفْسِهِ بلهفة: "يا لَها مِن وَجَبَة شَهِيَّة وطازجة!". بدأ الثعلب يفكر ويخطط بخبث؛ فهو يعلم أن الببغاء بعيدة عنه فوق الشجرة، لذا قرر أن يضع خُطةً خبيثةً لِلحُصُولِ عَلَى وجبته. قرر الثعلب أن يتظاهر بالطيبة والود الشديد، ويستخدم كلمات المديح ليجعل الببغاءَ المغرورةَ تَنزِلُ عَن الشَّجرة، وعندها يستطيعُ أَن يهجم عليها ويأكلها بسهولة.

وقف الثعلب تحت الغصن مباشرة، ورسم على وجهه ابتسامة زائفة، ثم سَأَلَ الببغاء برقة: "كَيفَ حَالُكِ أَيَّتُها الجميلة؟ إنكِ تبدينَ مُتَأَلَّقَةً ومشرقةً جداً اليَومَ". سرت الببغاء كثيراً بسماع هذا المديح، ونست كل الحذر، فأَجابته بفرح: "شكراً لَكَ أَيُّهَا الثَّعْلَبُ اللطيف، إنني أعتني بنفسي دائماً وبنظافة ريشي لأبدو بهذا الجمال". فاستمر الثعلب في خداعها قائلاً: "حقاً، فأنا لم أقابل في كل هذه الغابة الكبيرة طائراً أجمل منكِ على الإطلاق".

ولكن، لم تكن الببغاء والثعلب وحدهما هناك، فقد كَانَ هُناكَ فَأَرْ صغير حكيم يعيش في حُفَرَةِ صغبرة تَحتَ تلك الشَّجَرَةِ. لَمَّا سَمِعَ الفَأْرُ كَلامَ الثَّعْلَبِ المعسول، عَرَفَ فوراً أَنَّهُ يُرِيدُ خِداع الببغاء المَغرورة ليفترسها. شَعَرَ الفأر بالمسؤولية وأَرادَ أَن يُساعِدَها ويُنقِذَ حَياتَها من هذا الخطر، لَكِنَّهُ كَانَ حيواناً صغيراً وضعيفاً، ولا يَقْدِرُ عَلى مواجَهَةِ الثَّعلبِ المَكَارِ وجهاً لوجه.

لم يجد الفَأْرُ طَريقَةً لإنقاذها سوى أن يتسلل بهدوء شديد من خلف الشجرة ليُحذِّر الببغاء دون أن يراه الثعلب. اختبأ الفأر خلف الجذع، وقالَ بِصَوتِ مُنخَفِضٍ جداً كي لا يَسمَعَهُ الثَّعْلَبُ: "أَيَّتُها الببغاء، أرجوكِ لا تُصَدِّقِي كَلامَ الثَّعْلَبِ الماكر، إنَّهُ شرير ويُريدُ أَن يخدعكِ ليأكلكِ!".

لكن الببغاء، وبسبب غرورها الشديد، لم تستمع أبداً إلى نصيحة الفأر الصغير الصادقة. كانت لا تزال تشعر بنشوة وسرور كبير بكَلامِ الثَّعْلَبِ، وتُريدُ أَن تَسْمَعَ المَزيد والمزيد من عبارات الإعجاب والمديح. نَظَرَت الببغاء إلى الفأر باحتقار وقالت له بغضب: "اذهَب مِن هُنا أيها الفأر الصغير، إنَّكَ بالتأكيد تَغارُ مِنِّي ومن جمالي الذي يمدحه الثعلب".

ثم استدارت الببغاء بكل ثقة نحوَ الثَّعْلَبِ مرّة أخرى وَسَأَلَتَهُ بدلال: "مَاذَا كُنتَ تَقُولُ؟ أكمل حديثك الرائع". أجابها الثعلب وهو يخفي ضحكته: "كنت أقولُ إِنَّ على جميع الحيوانات في الغابة أَن تتعلَّمَ منكِ فن الاعتناء بالمظهر والجمال". من شدة فرحها، بَدأت الببغاء تُرَفَرِفُ بجناحيها وتَرقُصُ مَغرورةً على الغصن.

تابع الثعلب كلامه بمكرٍ أشد قائلاً: "ليتكِ أيتها الببغاء الرائعة توافقين على إعطاء دروس خاصة في الجمال لجميع حيوانات الغابة". هُنا زادَ غُرور الببغاء حتى فقدت صوابها، وسألته بلهفة: "وهل سيأتي الجميع حقاً إلى دروسي؟". أجابها الثعلب: "نعم بكل تأكيد، وسَوفَ تُصبحين أشهر طائر في تاريخ الغابة".

عند هذه الكلمات، أغمضت الببغاء عينيها من شدة السعادة، وبدأت تَحلُمُ وتَتَخَيَّلُ في خيالها زحام حيوانات الغابة وهي تقف أمامها بإعجاب. وقالت لنفسها وهي في غمرة خيالها: "كُلُّ الحيواناتِ سَوفَ تَتَعَلَّمُ منّي، وسَوفَ يُعجَبُ الجميع بدروسي، إِنَّهُ شَيْءٌ رائعٌ حقاً". وبينما هي غارقة في أحلامها الوردية ومغمضة العينين، فقدت توازُنَها تماماً وسَقَطَت فجأة عَن الشجرة نحو الأرض.

فتحت الببغاء عينيها وهي ترتجف من الصدمة، فرأت الثعلب أمامها مباشرة وهو يفتح فمه ويستعد للهجوم عليها ليفترسها. وفي تلك اللحظة الأخيرة والمرعبة، استجمعت الببغاء كل قوتها وتمكنت من الطيران والهروب بجناحيها في آخر ثانية قبل أن تطالها أنياب الثعلب. وبعدما يئس الثعلب وذهب بعيداً، نظرت الببغاء بأسف ونم إلى الفأر الصغير وقالت له: "شكراً لك على نصيحتك الغالية التي لم أسمعها في البداية". اعتذرت الببغاء للفأر عن غرورها، وتعلمت درساً لن تنساه أبداً، وأصبحت منذ ذلك اليوم لا تصدق كلام المداحين الكاذبين.

إرسال تعليق

أحدث أقدم