البخيل وزوجته الجشعة

 البخيل وزوجته الجشعة

البخيل وزوجته الجشعة

يُحكى أنه في قديم الزمان، كانت هناك قرية خضراء جميلة تفوح منها رائحة الزهور، وكان يعيش فيها تاجر يمتلك دكاناً كبيراً لبيع العقاقير والأعشاب الطبية. كان هذا التاجر يعمل بجد ونشاط من الصباح الباكر حتى مغيب الشمس دون أن يشعر بملل أو تعب ، ولكن، للأسف، كان لديه عيب واحد غطى على كل صفاته، وهو البخل الشديد. كان يجمع الأموال ويضعها في صناديق مخفية، ولا ينفق على بيته أو زوجته أو طفله الصغير إلا القليل جداً، لدرجة أنه كان يشحّ عليهم حتى باللقمة الواحدة، وكان همه الوحيد هو رؤية الذهب والفضة يزدادان يوماً بعد يوم.

عانت الزوجة كثيراً من هذا البخل، فلم تجد في بيتها ثياباً جديدة ولا طعاماً وفيراً، ولأنها لم يكن لها أهل في القرية لتشكو لهم حالها، فقد صبرت طويلاً وفكرت في حلول لتدبر أمرها. بدأت في البداية تطلب المساعدة من الجيران ونساء القرية الطيبات لتستلف منهن بعض المال أو الطعام ، لكنها كانت تشعر بخجل شديد في كل مرة تطرق فيها باباً. ومع تكرار طلباتها، بدأ الجيران يشعرون بالانزعاج، فبدأوا يبتعدون عنها ويتجنبون الحديث معها.

عندها، قررت الزوجة أن تجد طريقاً آخر، وللأسف قادها تفكيرها إلى الحيلة والطمع. بدأت تتحايل على النساء وتختلق الأكاذيب والقصص لكي تأخذ منهن ما يعجبها، ومع مرور الوقت، أصبح الجشع عادة سيئة تسيطر على قلبها. صار أهل القرية يتحدثون عنها؛ فمنهم من كان يشفق عليها ويقول إن بخل زوجها هو ما دفعها لهذا المسلك، ومنهم من كان يلومها لأن التصرفات السيئة لا مبرر لها مهما كانت الظروف. أما ابنهما الوحيد، فكان منظره يحزن القلوب؛ إذ كان يرتدي ثياباً قديمة وممزقة كأنه طفل فقير لا يملك شيئاً. وفي يوم من الأيام، طلب الطفل من والده التاجر أن يشتري له كرة جميلة ليلعب بها مع أصدقائه، لكن الأب البخيل رفض فوراً وقال إن هذا مضيعة للمال. حزن الطفل كثيراً، لكنه قرر أن يصنع لنفسه كرة من القش والحبال، وكان كلما تمزقت تلك الكرة المتواضعة، قام بصنع واحدة جديدة غيرها ليقضي وقته في اللعب.

وفي أحد الأيام المشمسة، مرت بالقرية امرأة متسولة مسكينة، كانت تجوب الأزقة وتسأل الناس الصدقة بكلمات رقيقة وصوت متعب. وعندما وصلت إلى منزل التاجر، وضعت قفتها الصغيرة عند الباب ونادت بأدب: "يا أهل هذا البيت الطيبين، أنا امرأة محتاجة، فهل تجودون عليَّ بصدقة لوجه الله؟". سمعت الزوجة النداء وفتحت الباب، وعندما رأت المتسولة، شعرت برغبة في فعل شيء ما، ليس من باب الكرم، بل لأن عينيها وقعتا على قفة المتسولة، فظنت أنها قد تحتوي على مال أو أرزاق.

خطر في بال الزوجة فكرة خبيثة، فقالت للمتسولة: "انتظري، إن زوجي يبحث عن خادمة تساعدنا في أعمال المنزل الشاقة لأربعة أيام، وسنعطيكِ مقابل ذلك مؤونة طعام تكفيكِ لخمسة عشر يوماً". وافقت المتسولة المسكينة فرحةً بهذا العرض، وظنت أن الله قد رزقها، ودخلت لتعمل بجد. طوال الأيام الأربعة، كانت الزوجة تراقبها بدقة لعلها تجد معها مالاً، لكنها اكتشفت أن المتسولة لم تكن تملك درهماً واحداً، بل كانت تأكل كسرات خبز صغيرة من قفتها لتسد جوعها.

أما التاجر البخيل، فقد كان يراقب الموقف بشك، وخاف أن تسرق المتسولة أمواله المخفية. وفي الليلة الثالثة، قرر أن يخبئ أمواله في مكان لا يخطر على بال أحد. نادى ابنه عند الفجر وطلب منه كرته القشية بحجة أنه سيشتري له كرة حقيقية. قام الأب بفتح الكرة وتفريغ بعض القش منها، ثم حشاها بكل الذهب والنقود التي يملكها، وأغلقها بإحكام ووضعها في صندوق خشبي قديم وسط الملابس، ولم يخبر زوجته بما فعل.

عندما انتهت مدة العمل، أرادت المتسولة الرحيل، فبدأت الزوجة تبحث عن حيلة لكي لا تعطيها الأجر المتفق عليه. دخلت غرفتها ورأت الكرة القشية في الصندوق، وظنت أنها مجرد كرة قديمة وضعها ابنها هناك. قررت أن تعطي هذه الكرة للمتسولة كخدعة، وقالت لها بمكر: "خذي هذه الكرة، فثمن تعبكِ كله مخبأ داخلها، لكن لا تفتحيها إلا عندما تصلين إلى بيتكِ، لكي لا يسرقكِ اللصوص في الطريق". شكرت المتسولة الزوجة ودعت لها بالخير، وحملت الكرة في قفتها ورحلت مسرعة.

عند المساء، عاد التاجر إلى البيت، وبدأت الزوجة تفتخر أمامه بذكائها وكيف أنها خدعت المتسولة وأعطتها كرة القش بدلاً من الطعام والمال. عندما سمع التاجر ذلك، صُعق وسقطت منه أدواته، وصاح بغضب شديد: "ماذا فعلتِ؟ أموالي كلها كانت داخل تلك الكرة!". سقط التاجر مغشياً عليه من شدة الصدمة، وعندما أفاق بدأ يصرخ ويبكي ويندب حظه قائلاً: "نقودي.. نقودي ضاعت!". اجتمع الجيران على صراخه، فقالت له زوجته بحزن وندم: "إن بخلك هو الذي جلب لنا هذا الشقاء، وطمعي هو الذي جعلني أفقد كل شيء، والآن ذهبت أموالك ولم يبقَ لنا سوى الحسرة". وهكذا ضاع مال البخيل بسبب جشع زوجته، وتعلم الجميع أن القناعة والكرم هما الكنز الحقيقي.

إرسال تعليق

أحدث أقدم