القَطْرَةِ "نَدِيَّة" وَرِحْلَةُ الأَمَلِ الدَّائِمَةِ
كَانَتِ القَطْرَةُ "نَدِيَّةُ" تَعِيشُ سَعِيدَةً في المُحِيطِ الوَاسِعِ بَيْنَ أَمْوَاجِهِ الزَّرْقَاءِ المُرِيحَةِ.
عِنْدَمَا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ بِحَرَارَتِهَا، شَعَرَتْ نَدِيَّةُ بِأَنَّهَا أَصْبَحَتْ خَفِيفَةً جِدًّا كَأَنَّهَا تَطِيرُ.
تَحَوَّلَتْ نَدِيَّةُ مِنْ مَاءٍ سَائِلٍ إِلَى "بُخَارٍ" لَطِيفٍ، وَبَدَأَتْ تَرْتَفِعُ نَحْوَ السَّمَاءِ العَالِيَةِ.
في السَّمَاءِ البَارِدَةِ، اِلْتَقَتْ نَدِيَّةُ بِصَدِيقَاتِهَا القَطَرَاتِ، فَتَجَمَّعْنَ مَعًا لِيُكَوِّنَّ "غَيْمَةً" بَيْضَاءَ.
أَخَذَتِ الرِّيَاحُ تَدْفَعُ الغَيْمَةَ بَعِيدًا فَوْقَ الجِبَالِ وَالغَابَاتِ في رِحْلَةٍ مَشُوقَةٍ.
كُلَّمَا بَرَدَ الجَوُّ أَكْثَرَ، كَبُرَتِ القَطَرَاتُ دَاخِلَ الغَيْمَةِ حَتَّى أَصْبَحَتْ ثَقِيلَةً وَلَا تَسْتَطِيعُ الطَّيَرَانَ.
فَجْأَةً، بَدَأَتْ نَدِيَّةُ تَهْبِطُ نَحْوَ الأَرْضِ عَلى شَكْلِ "مَطَرٍ" بَارِدٍ يُنْعِشُ الأَزْهَارَ وَالأَشْجَارَ.
سَقَطَتْ نَدِيَّةُ فَوْقَ قِمَّةِ جَبَلٍ عَالٍ، فَانْزَلَقَتْ مَعَ المَاءِ لِتُكَوِّنَ "جَدْوَلًا" صَغِيرًا رَقْرَاقًا.
جَرَتْ نَدِيَّةُ في النَّهْرِ الطَّوِيلِ، وَكَانَتْ تَسْقِي الحَيَوَانَاتِ وَتَرْوِي مَحَاصِيلَ الفَلَّاحِينَ.
بَعْضُ صَدِيقَاتِهَا غُصْنَ تَحْتَ الأَرْضِ لِيُصْبِحْنَ "مِيَاهًا جَوْفِيَّةً" نَقِيَّةً وَمَخْزُونًا ثَمِينًا.
وَاصَلَتْ نَدِيَّةُ رِحْلَتَهَا في النَّهْرِ بِحَمَاسٍ، حَتَّى وَصَلَتْ أَخِيرًا إِلَى مَصَبِّ البَحْرِ الكَبِيرِ.
عَادَتْ نَدِيَّةُ إِلَى حِضْنِ المُحِيطِ، وَهِيَ تَحْمِلُ ذِكْرَيَاتٍ جَمِيلَةً عَنِ الغَابَاتِ وَالسُّهُولِ.
تَعَلَّمَتْ نَدِيَّةُ أَنَّ دَوْرَتَهَا لَا تَنْتَهِي، فَهِيَ تَمْنَحُ الحَيَاةَ لِكُلِّ مَكَانٍ تَمُرُّ بِهِ.
شَكَرَتِ الأَرْضُ نَدِيَّةَ عَلَى كَرَمِهَا، فَالْمَاءُ هُوَ سِرُّ البَقَاءِ وَأَغْلَى نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى.
مَا أَعْجَبَ دَوْرَةَ المَاءِ! فَهِيَ تُعَلِّمُنَا أَنَّ العَطَاءَ يَعُودُ دَائِمًا بِالخَيْرِ وَالبَرَكَةِ لِلْجَمِيعِ.