عَلَاءُ الدِّيْنِ وَالْجِنِّيُّ
فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، كَانَ الصَّبِيُّ الذَّكِيُّ عَلَاءُ الدِّيْنِ يَتَجَوَّلُ فِي السُّوقِ الْمُزْدَحِمَةِ، فَلَمَحَتْ عَيْنَاهُ مِصْبَاحاً نُحَاسِيّاً قَدِيماً مَعْرُوضاً عِنْدَ امْرَأَةٍ عَجُوزٍ.
اِقْتَرَبَ عَلَاءُ الدِّيْنِ مِنَ الْمِصْبَاحِ وَاشْتَرَاهُ وَهُوَ يَشْعُرُ بِسَعَادَةٍ غَامِرَةٍ، ثُمَّ عَادَ بِهِ إِلَى الْمَنْزِلِ مُسْرِعاً.
بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ، أَمْسَكَ بِقِطْعَةِ قُمَاشٍ وَبَدَأَ يُنَظِّفُ الْمِصْبَاحَ بِكُلِّ جِدٍّ وَإِخْلَاصٍ، وَمَسَحَهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتَّى زَالَ عَنْهُ الْغُبَارُ وَصَارَ يَلْمَعُ وَيَبْرُقُ تَحْتَ الضَّوْءِ مِنْ شِدَّةِ النَّظَافَةِ.
وَقَفَ عَلَاءُ الدِّيْنِ يَنْتَظِرُ لَحْظَةً سِحْرِيَّةً، وَلَكِنْ لَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ، فَتَسَاءَلَ بِاسْتِغْرَابٍ شَدِيدٍ: "لِمَاذَا لَمْ يَتَصَاعَدْ دُخَانٌ كَثِيفٌ مِنَ الْمِصْبَاحِ؟ وَأَيْنَ جِنِّيُّ الْمِصْبَاحِ الَّذِي كُنْتُ أَنْتَظِرُ خُرُوجَهُ؟".
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، كَانَتْ أُمُّهُ تَقِفُ قَرِيباً مِنْهُ وَتَسْتَمِعُ إِلَى تَمْتَمَاتِهِ، فَاقْتَرَبَتْ مِنْهُ وَعَلَى وَجْهِهَا ابْتِسَامَةٌ عَرِيضَةٌ وَحَنُونَةٌ، وَسَأَلَتْهُ بِلُطْفٍ: "أَيَّ جِنِّيٍّ تَتَحَدَّثُ عَنْهُ يَا عَلَاءَ الدِّيْنِ؟".
أَجَابَ الصَّبِيُّ بِنَبْرَةٍ مَمْلُوءَةٍ بِالْأَمَلِ: "جِنِّيُّ الْمِصْبَاحِ يَا أُمِّي! لَقَدْ بَذَلْتُ مَجْهُوداً كَبِيراً فِي تَنْظِيفِ هَذَا الْمِصْبَاحِ لِكَيْ يَخْرُجَ الْجِنِّيُّ وَيَقُولَ لِي تِلْكَ الْجُمْلَةَ الشَّهِيرَةَ: شُبَّيْكَ لُبَّيْكَ، عَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ".
ضَحِكَتِ الْأُمُّ مِنْ خَيَالِ ابْنِهَا الْوَاسِعِ وَسَأَلَتْهُ: "وَمَا هِيَ الْأُمْنِيَاتُ الَّتِي كُنْتَ سَتَطْلُبُهَا مِنْهُ لَوْ ظَهَرَ لَكَ؟".
رَدَّ عَلَاءُ الدِّيْنِ بِحَمَاسٍ: "سَأَطْلُبُ مِنْهُ دَرَّاجَةً جَدِيدَةً رَائِعَةً، وَمَصْرُوفاً كَافِيًا لِلْمَدْرَسَةِ، وَأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ أَنْجَحَ وَأَتَفَوَّقَ فِي دِرَاسَتِي".
عَادَتِ الْأُمُّ لِلضَّحِكِ بِمَحَبَّةٍ وَقَالَتْ لَهُ: "يَبْدُو أَنَّكَ صَدَّقْتَ تِلْكَ الْحِكَايَاتِ الْخَيَالِيَّةَ الَّتِي نَقْرَؤُهَا فِي الْكُتُبِ".
تَعَجَّبَ عَلَاءُ الدِّيْنِ وَسَأَلَ مُسْتَنْكِراً: "هَلْ تَعْنِينَ أَنَّ قِصَّةَ عَلَاءِ الدِّيْنِ وَالْمِصْبَاحِ السِّحْرِيِّ هِيَ مُجَرَّدُ خَيَالٍ؟".
أَكَّدَتْ لَهُ الْأُمُّ قَائِلَةً: "نَعَمْ يَا بَطَلِي الصَّغِيرَ، فَهِيَ حِكَايَاتٌ مُؤَلَّفَةٌ لِلتَّسْلِيَةِ وَالْمُتْعَةِ فَقَطْ".
شَعَرَ عَلَاءُ الدِّيْنِ بِبَعْضِ الْخَيْبَةِ وَقَالَ: "أُوه، كَمْ كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ كَيْ يُلَبِّيَ الْجِنِّيُّ كُلَّ رَغَبَاتِي".
حِيْنَهَا، نَظَرَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ بِجِدِّيَّةٍ وَقَالَتْ كَلِمَاتٍ حَكِيمَةً: "يَا بُنَيَّ، لَقَدْ خُلِقَ الْإِنْسَانُ لِيَعْمَلَ وَيَجْتَهِدَ، وَلَيْسَ لِيَسْتَسْلِمَ لِلْكَسَلِ وَالِانْتِظَارِ، فَنَحْنُ مَنْ نُحَقِّقُ أَحْلَامَنَا بِأَيْدِينَا وَبِعَمَلِنَا الدَّؤُوبِ".
ثُمَّ أَضَافَتْ بِتَشْجِيعٍ: "عَلَيْكَ أَنْ تَدْرُسَ بِجِدٍّ وَتَجْتَهِدَ فِي دُرُوسِكَ، وَعِنْدَمَا تَكْبُرُ سَتَعْمَلُ وَتَكْسِبُ وَتُحَقِّقُ كُلَّ مَا تُرِيدُ بِنَفْسِكَ".
هَزَّ عَلَاءُ الدِّيْنِ رَأْسَهُ مُوَافِقاً وَقَالَ بِثِقَةٍ: "نَعَمْ يَا أُمِّي، لَقَدْ فَهِمْتُ الْآنَ أَنَّ الْمِصْبَاحَ هُوَ جِسْمٌ عَادِيٌّ، وَأَنَّ الْجِنِّيَّ الْحَقِيقِيَّ هُوَ إِرَادَتِي وَعَمَلِي، وَأَنَّ كُلَّ تِلْكَ الْقِصَصِ كَانَتْ خَيَالاً فِي خَيَالٍ".