العصفور الدوري
في قلب بستان واسع مكسو بالخضرة والجمال، عاشت عائلة من العصافير الجميلة فوق غصن شجرة عالية وارفة الظلال. ومع خيوط الفجر الأولى لأحد أيام الصيف الدافئة، تحركت الأم بنشاط لتبدأ يوما جديدا، فأيقظت صغارها برفق وحثتهم على النهوض قائلة إن عليهم أن يسبقوها إلى حقول القمح والحبوب ليحظوا برزقهم. اندهش الابن الأكبر وسأل أمه عما إذا كانت سترافقهم، بينما خاف عصفور آخر وتساءل إن كان قد أصابها مكروه. طمأنتهم الأم بابتسامة حانية مؤكدة أنها بخير وعافية، لكنها ستبقى قليلا لتوقظ أخاهم الصغير العصفور الدوري الذي ما زال غارقا في نومه. فرح الإخوة بهذا الخبر، وتمنوا أن يقضي الصغير اليوم معهم، وبدأ كل واحد منهم يخطط لتعريفه بأجمل أماكن الطعام ومجاري المياه العذبة.
حين انطلق الإخوة في الفضاء الرحب، اقتربت الأم من العصفور الدوري ونادته بصوت ملؤه الحنان، تخبره أن البلابل والحمام وكل الطيور قد استيقظت وبدأت تسعى في أرض الله، وأن إخوته قد سبقوه إلى الحقول. فتح الصغير عينيه بتثاقل ونظر إلى أمه باستغراب، متسائلا عن سبب إيقاظه في هذه الساعة المبكرة جدا. ضحكت الأم وأخبرته أن الجميع استيقظ للعمل، فقد طلعت الشمس وحان الوقت ليعتمد على نفسه في الحصول على قوته. حاول الصغير التملص مدعيا أنه ما زال صغيرا، لكن الأم واجهته بحزم ممزوج بالحب، مذكرة إياه بأنها دربته جيدا على أصول الطيران وقواعده، وأنه بات قادرا على التحليق لمسافات بعيدة مثل إخوته تماما.
فكر العصفور الدوري قليلا، ثم تظاهر بالضعف والتمارض مدعيا أن الحر شديد وأنه لا يقوى على العمل لأنه أصغر إخوته. اضطرت الأم للمغادرة حتى لا تتأخر أكثر من ذلك، فتركت الصغير العنيد وعادت للطيران، بينما عاد هو ليستلقي في عشه ويستغرق في نوم عميق. حين اشتدت حرارة الشمس ولسعت جسمه الصغير، قام وبدأ يلعب فوق أغصان الشجرة الكبيرة، يتقافز من غصن إلى غصن وينصت لحفيف الأوراق، ثم طار إلى حديقة الزهور ليتنسم الهواء النقي ويرتشف قطرات الندى من بتلات الورد الأحمر والياسمين والبنفسج. وبينما كان يلهو ويطارد الفراشات، رأى نملة صغيرة تجري بسرعة مذهلة، فاعترض طريقها وسألها بدهشة عن سبب سباقها للرياح. أجابته النملة بجدية وهي تواصل سيرها أنها ذاهبة لجلب الطعام وأن طريقها شاق وبعيد، وطلبت منه ألا يعطلها عن عملها.
راقب العصفور الدوري النملة وهي تمضي، ثم عاد للعب والمرح طوال ساعات النهار، ولم يعد إلى عشه إلا حين رأى الطيور عائدة مع غروب الشمس. استقبل أمه وإخوته كالعادة، فأطعمته الأم واستسلم الجميع للنوم. وتكرر هذا المشهد أياما طويلة، حيث كان الصغير يختلق الأعذار في كل صباح هربا من العمل وحبا في اللهو، مما جعل الأم تشعر بقلق شديد على مستقبله، خوفا من أن يضيع حياته في الكسل وعدم المسؤولية. وفي وقت الراحة تحت شجرة ظليلة، شاورت الأم أبناءها في حال أخيهم الصغير، وتبادلوا الآراء حتى لمعت في ذهن الأم فكرة قررت تنفيذها في تلك الليلة.
عندما عاد العصفور الدوري إلى العش مساء وهو يشعر بجوع شديد، وقف ينتظر الطعام من أمه كما اعتاد دائما. لكنه فوجئ بأن الأم رقدت دون أن تلتفت إليه أو تهتم بوجوده. انتظر طويلا دون جدوى، فسأل أمه بتردد إن كانت هي وإخوته قد أكلوا، فأجابت بنعم وأنهم حمدوا الله على رزقه. صرخ الصغير معاتبا بأن حوصلته فارغة ويشعر بجوع شديد، فكبتت الأم مشاعرها وقالت ببرود مصطنع إنها نسيت طعامه هذه المرة. فزع الصغير متسائلا كيف ستتركه للجوع حتى الغد، فأجابته بحزم: من لا يعمل لا يستحق أن يأكل، وأكدت أن هذا القرار سيطبق في الليالي المقبلة أيضا، وأمرته بالصمت للنوم.
ارتجف العصفور الدوري وشعر بالخوف حين رأى حزم أمه وصمت إخوته. أدرك حينها أن التمثيل والتظاهر بالضعف لن ينفعا بعد اليوم، فقرر تغيير حاله. وبصوت واثق، أعلن لأمه وإخوته قراره الجديد، وهو أنه سيصحو من الغد قبل الجميع ليكون أول المنطلقين للعمل، مؤكدا أنه كبر ولم يعد ذلك الصغير المتواكل. وعد أمه بالاعتماد على نفسه وتحمل مسؤولياته، ودعا الله أن يقويه على جوعه حتى الصباح. غمرت الفرحة قلب الأم وإخوته، فاحتفلوا به وعانقوه، وفي نهاية ذلك الاحتفال الجميل، قدمت له الأم مكافأة حيث أطعمته لآخر مرة بيديها. وفي فجر اليوم التالي، كان العصفور الدوري هو من أيقظ الجميع، وطلب من أمه أن تستريح ليرد لها بعض أفضالها، ثم انطلق الجميع يحلقون في أعالي السماء، وكان الصغير يتقدمهم بكل نشاط وفخر.